هل مثلت “الجزيرة” نفسها في تغطية الحرب؟
علي عيد
على مدى نحو 40 يومًا، كان ملايين العرب مشدودين إلى القنوات الفضائية لمتابعة مجريات الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية.
قناة “الجزيرة”، اعتادت العمل من موقف مريح، لأن الحروب السابقة لم تكن تطال دول الخليج، وبينها قطر، إذ تشير الإحصائيات إلى أن إيران، حتى تاريخ إعلان الهدنة مع الأمريكيين، استهدفت دول الخليج والأردن بأكثر من ستة آلاف هجوم جوي، وفق تقديرات غير موحدة لمصادر خليجية، حصة قطر منها بالمئات، أصاب بعضها أهم مرفق اقتصادي، وهو موقع رأس لفان للغاز، كذلك جرى استهداف مطار الدوحة المدني، ووقعت إصابات بين المدنيين في هجمات أخرى.
مقابل تلك الأرقام، أطلقت إيران على إسرائيل نحو 650 صاروخًا باليستيًا.
وفي يوم الهدنة نفسه (8 من نيسان الحالي)، قالت وزارة الدفاع القطرية، إن الدولة تعرضت لهجوم بسبعة صواريخ باليستية وعدد من المسيّرات من إيران، في حين لم تطلق إيران على إسرائيل أي صواريخ.
خلال أيام الحرب، وحتى اليوم، التزمت قناة “الجزيرة” بحضور محللين إيرانيين عبر استوديوهات تحليلية، مثل حسن أحمديان، وأخذوا حصتهم في تفسير رؤية إيران، حتى حين كانت صفارات الإنذار تُسمع ضمن استوديوهات القناة.
واستمر التهديد طوال الوقت، دون أن تتزحزح القناة عن أسلوبها، وهو ما يدفع لاستفسار مهني يتجاوز من يقصف ومن يُقصف، إلى من يروي القصة وكيف تُروى.
في الحروب، تتحول الاستوديوهات إلى خطوط تماس موازية، وتصبح القرارات التحريرية جزءًا من المعركة، ويبرز السؤال المهني: هل يكفي أن “توازن” بين طرفين متحاربين كي تكون عادلًا؟ وماذا لو كان هناك طرف ثالث تطال مرافقه المدنية الضربات والصواريخ، ويتعرض للابتزاز الأمني والتخويف.
ما فعلته قناة “الجزيرة”، في الحرب الأخيرة، أنها تعاملت ببرود مبالغ، وكأنها خارج اللعبة، رغم وجودها على مرمى النيران، ورغم أنها تمثل أداة ناعمة لدولة قطر المتضررة.
إشكالية تغطية القناة، وهي مدرسة ألهمت آلاف الصحفيين، وأثرت في الرأي العام لدى مئات الملايين منذ انطلاقتها عام 1996، ليست أنها فتحت المجال للرأي الآخر، كمعيار للمهنية، لكنها تبنت موقفًا، يسميه بعض الدارسين “الحياد الزائف” (False Balance)، إذ وضعت أطرافًا غير متكافئة في موقع متساوٍ شكليًا.
وبالأساس، يمكن اعتبار غياب محلل إسرائيلي جزءًا من موقف سياسي مبدئي، ما يعني أن للسياسة مكانًا وافرًا في خطها التحريري، وأن الطاولة لا تضم جميع الأطراف.
لكن، أن يقدم محلل إيراني الرواية التي تتبناها الحكومة في طهران كاملة، رغم استهدافها الجوار العربي ومنه قطر، هذا يثير استفسارًا مهنيًا، إذا ما تجاوزنا مسألة الموقف السياسي.
كيف يمكن لمؤسسة إعلامية أن تتعامل مع خطاب طرف يهاجم موقعها الجغرافي ومحيطها، وهو ليس جزءًا من المعركة، وهل تكتفي بمنحه مساحة تحت عنوان “التعددية”، وهل هناك لحظة يكون فيها هذا الخيار موضع مساءلة؟
في أثناء حرب العراق عام 2003، سعت “BBC” إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الرواية الحكومية البريطانية والانتقادات الموجهة لها، هذا التوازن تحول إلى أزمة مهنية وسياسية، جراء الجدل حول ملف أسلحة الدمار الشامل، واتُهمت “BBC” بأنها منحت مساحة زائدة للسردية الرسمية، وأخرى زائدة للطعن بها، ما حوّل التوازن وقاعدة “عدم التحيّز” إلى مشكلة أربكت الحقيقة ولم تخدمها.
وفي نموذج مختلف، تعرضت “CNN” لانتقادات واسعة مختلفة بسبب نموذج “الصحفيين المرافقين للقوات” (embedded journalism)، والرغبة في البقاء داخل الحدث، ما أخل بالتوازن.
نموذج “الجزيرة”، ونموذجا “BBC” و”CNN”، تشير إلى أزمة في بنية القرار التحريري خلال الحروب.
وهناك عوامل عدة تلعب دورًا في هذه الأزمة، منها:
- فخ التوازن: الهروب من تهمة “التحيّز” إلى مساواة شكلية بين أطراف غير متساوية، فيصبح المعتدي والضحية في مستوى واحد من حيث المساحة واللغة، وهذا ربما ما حصل مع “الجزيرة”.
اقتصاد الانتباه (Attention Economy): الذي يقوم على استضافة الأصوات المتطرفة في الرأي، أو المثيرة للجدل لجذب الجمهور، حتى لو كانت هذه الأصوات تمثل أدوات دعائية واضحة.
- فصام الحدث والمكان: إذ تتعامل المؤسسة مع الصراع بوصفه “خارجيًا”، متجاهلة أن بيئتها نفسها جزء من تداعياته، وهذا يخلق فجوة بين الرسالة والواقع المحيط، وهو أيضًا قد تكون “الجزيرة” قد وقعت فيه.
- الحياد كأيديولوجيا: إذ كانت المؤسسة تتبنى مفهوم الحياد المطلق، فهي تمتنع عن تقييم الضيوف، أو الأطراف، وهذا لا ينطبق على “الجزيرة” لأنها تقوم بتقييم إسرائيل كطرف معتدٍ ولا تضع صوتًا يمثلها على الطاولة، وهذا حقها أخلاقيًا، لكن هذا يعني أيضًا أن هناك أيديولوجيا تتعلق بنظرة القناة إلى طبيعة الصراع، لكنها لم تتصرف في موضوع الاعتداء على دول الخليج بنفس المستوى.
هل وقعت “الجزيرة” في مأزق الأزمة، وهل كانت إدارة المحتوى غير مهيأة لما يتطلب الوضع من مرونة؟ أم أنها حافظت على استراتيجيتها كأداة تأثير ناعمة؟
السؤال الأخير: هل مثلت “الجزيرة” الجمهور أم الفاعلين أم نفسها في تغطية الحرب؟ الجواب ليس سهلًا، بل يتطلب مراجعة داخل المؤسسة.. وللحديث بقية.





