هل حروبنا مجرد “مقامرة” في نوادي النخبة السرية
خالد المطلق
في الوقت الذي تنشغل فيه شعوب المنطقة بمتابعة خرائط القتال وتعداد الضحايا، تبرز حقيقة صادمة تتجاوز حدود الدول القومية والسيادات المزعومة، فالقوة الحقيقية في عالم اليوم لا تقيم في القصور الرئاسية التي تظهر في نشرات الأخبار، بل في “ثقوب سوداء” جيوسياسية كالأندية السرية والنخبوية التي تدير صراعات كوكب الأرض كمنظومة أخطبوطية عابرة للحدود، تبدأ من جزيرة “إبستين” التي سقطت كطُعم استخباراتي إلى غابات “ريدوود” في كاليفورنيا حيث يختبئ نادي “بوهيميان جروف” نجد أنفسنا أمام “حكومة ظل” عالمية لا تعترف بصناديق الاقتراع بل بصناديق المال والتحالفات الاستخباراتية التي تُطبخ خلف الأبواب الموصدة، والسؤال هل ما نشهده من صراع مثلث “أمريكي- إيراني- إسرائيلي” هو مجرد انفجار أيديولوجي محلي أم أنه فصل مُحكم في “وثائقي طويل” رسمت ملامحه نخبة لا ترى في منطقتنا سوى مختبر تجارب؟
وللتوضيح أكثر، لا بد أن نعرف أن داخل غابة “بوهيميان جروف” وبمساحتها الشاسعة التي تبلغ 2700 فدان يجتمع نحو 2600 عضو من صفوة المجتمع الدولي أمام تمثال “البومة” الخرساني الضخم، وهناك وفي طقوس “حرق الرعاية” يرتدي أقوى رجال العالم أردية حمراء ككهنة العصور الوسطى ليحرقوا رمزيًا “هموم العالم الخارجي” خلف أسوار الغابة، فهذا المكان ليس مجرد نادٍ ترفيهي، بل هو “مصنع الرؤساء” حيث انطلقت منه شرارة رئاسة ريتشارد نيكسون، وفيه وُلد “مشروع مانهاتن” للقنبلة الذرية عام 1942، فهؤلاء “الصيادون” الذين لا يمكن مسهم يضعون الخطط العسكرية والميزانيات الضخمة في جلسات “حديث البحيرة” بعيدًا عن رقابة البرلمانات ليحددوا من سيعيش في رفاهية ومن سيعاني من التقشف والحروب.
وبالانتقال إلى أوروبا نجد نادي “بيلدربيرغ” الذي تأسس عام 1954 بهدف تعزيز الحوار الأطلسي، لكنه تحول إلى “العقل المدبر للعولمة”، وهنا وبدعم خفي من المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، يتم اختيار القادة المستقبليين مثل كلينتون وبلير وماكرون قبل وصولهم للسلطة بسنوات، وفي هذه الاجتماعات يُناقش “ملف الغاز” ومسارات الأنابيب كأدوات هيمنة، فالحروب في غزة وسوريا ولبنان ترتبط عضويًا برغبة النخبة في التحكم بـ”شريان الحياة” الأوروبي وقطع الطريق على المنافسين، أما في قلب باريس فيطل علينا نادي “لوسيكل” (نادي القرن)، حيث يسيطر أعضاؤه على 90% من الناتج المحلي الفرنسي، وهناك “تُطبخ إفريقيا على نار هادئة”، وتُوزع صفقات السلاح مقابل امتيازات التنقيب بعيدًا عن أي معايير أخلاقية أو ديمقراطية، وفي نيويورك يبرز نادي “ذيكور” كوجه حديث للقوة الأمريكية، حيث يمتزج مال “وول ستريت” بـ”شياطين هوليود” وقادة التكنولوجيا، وانضمام أباطرة “وادي السيليكون” لهذه المحافل يعكس تحول القوة نحو “البيانات الضخمة” والرقابة المطلقة، ويتم اختبار أحدث نظم الذكاء الاصطناعي وخوارزميات السيطرة على الشعوب في مناطق النزاع لتكون “البرمجية الاستخباراتية” هي السلاح الصامت الذي يضمن بقاء الثروة في يد القلة المختارة، ويحول المنطقة العربية إلى ميدان اختبار حي لتقنيات التجسس السيادي.
إن ما يحدث في صراعنا الراهن هو “مزيج احترافي”، حيث تُستخدم الأيديولوجيا المحلية كـ”وقود محترق” لإدامة الصراع، بينما تعمل الأجهزة الاستخباراتية العالمية كـ”مهندس” يضبط إيقاع الموت، وفي نادي “وايتس” بلندن، أقدم نادٍ في العالم، تُوضع المراهنات على مصاير الملوك والأنظمة فوق الطاولات المخملية، وفي مخيم “مندلاي” بالبوهيمي يهمس رؤساء الدول السابقون لمديري شركات النفط بكلمات تغير مسار التاريخ، فالحروب اليوم ليست أخطاء بل هي “استثمارات” تضمن بقاء “النظام العالمي الجديد” مسيطرًا على الخزائن وأزرار الصواريخ.
خلاصة القول، إن جزيرة “إبستين” لم تكن سوى مختبر صغير مقارنة بـ”قلاع النخبة” الأخطبوطية، والتحرر من هذا “المختبر التجريبي” يبدأ بوعي الشعوب بأن “العدو” ليس دائمًا من يواجهها في خندق القتال، بل قد يكون ذاك الذي يحرق “رعايته” بمصيرنا في غابة بعيدة ممسكًا بملفات الغاز في يد وبخوارزميات الرقابة في اليد الأخرى، لقد آن الأوان لنفهم أن ما يُطبخ في الغرف المغلقة سيأكله العالم أجمع طالما بقيت “السرية” هي الروح التي تحرك القوة، وكشف هذه الشبكات هو الخطوة الأولى لاستعادة حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن مراهنات النوادي السرية التي حوّلت دماءنا إلى أرقام في ميزانيات النخبة العالمية.




