... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
107831 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8623 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

هل إيران أم القرى

العالم
صحيفة الوطن السعودية
2026/04/05 - 14:13 501 مشاهدة
هناك مقولة أشبه بالمسلمة يتداولها جُلّ الكتّاب والإعلاميين والمفكرين الذين ينسبون أنفسهم إلى ما يسمى بـ (محور الممانعة) ومفادها: أنه إذا هُزمت إيران فهذا يعني نهاية كل دول المنطقة العربية والإسلامية، وهذه المقولة تتردد على مسامعنا وفي مقالاتهم من قديم وليست وليدة هذه الأزمة على وجه الخصوص.وكنت حتى عهد قريب أتعجب أشد العجب من تكرارها على ألسنتهم، رُغم اختلاف مشاربهم الأيدلوجية، حتى صحّ لي أن أتمثل فيهم بالآية الكريمة: (أَتَواصَوا به)، وقد نتفهّم هذه الفكرة حين تصدر من كتاب لديهم التوجه الأيدلوجي الإيراني نفسه ، ممن ينتسبون عسكريا أو فكريا للميليشيات التابعة لإيران في دول المنطقة، ولكن ما يثير الدهشة والعجب، هو ترديدها من تيارات قومية وناصرية، ويسارية وجماعات وأحزاب حركية إسلامية لا علاقة لها بالتشيع أو فكرة تصدير الثورة!كان السؤال الملحّ بشدة، هو من أين تسربت هذه المسلّمة، حتى تقبّلها هؤلاء، ثم لماذا لا تكون فعلا مسلمة صحيحة، أم أنه لدينا انحياز تأكيدي ضدها؟ ولماذا لا تكون إيران بهذه الأهمية المحورية في حماية دول المنطقة، ويكون في سقوطها وانهيارها بداية خراب مالطا!وأكاد أجزم الآن أن الجواب الذي يفسر قبول وترديد هذه العبارة والإيمان بها، هو في المذهب الذي طرحه محمد جواد لاريجاني عام 1990م في كتابه: مقولات في السياسة الوطنية، الذي سماه المؤلف «مذهب أم القرى»، والذي يتداول تحت مسمى نظرية أم القرى، (المؤلف لا يفضل تسميتها نظرية بل مذهب). وهو كتاب صدر بعد الحرب العراقية الإيرانية ليناسب المرحلة الجديدة، والتغيرات الجيوسياسية والانتقال لمرحلة أكثر برجماتية في السياسة الإيرانية، لتحل هذه النظرية أو المذهب محل فكرة تصدير الثورة.يقوم هذا المذهب على افتراضات طرحها لاريجاني في الآتي: أن العالم الإسلامي أمة واحدة، ومالك وحدة الأمة هو قيادتها، التي يمثلها «ولاية الفقيه» التي طبقها عمليا الإمام الخميني، فبدلًا من العصمة والعلم اللدني للنبي والأئمة، يمتلك الولي الفقيه العدالة والعلم الفقهي؛ لذا فهو خليفة الزمان. ومقام «الولاية» لا يقتصر على الحدود الجغرافية؛ فحالما يتحقق في منطقة ما من العالم الإسلامي، تتحدد فيه قيادة العالم الإسلامي بأكمله، وتكون الأمة الإسلامية مكلَّفة شرعًا بطاعته، وتصبح هذه المنطقة هي «أم القرى» حيث يطبق الإسلام الصحيح، وعليه فإن حفظ «أم القرى» فريضة على الأمة جمعاء، ويتقدم حفظها على أي أمر آخر (مقولات في الإستراتيجية الوطنية، لاريجاني، ص:13). ويقول: «إن الموقع الإستراتيجي، أو عدد السكان، أو العرق، وما إلى ذلك، ليست ذات أهمية لتُصبح «أم القرى»، فالمعيار الأساسي هو الولاية والقيادة». (استكشافات نظرية في السياسة الخارجية، لاريجاني، ص:47).ويرى الباحث الإيراني في الفكر السياسي داود فيرحي أن مذهب أم القرى قريب جدا من فكر وتصريحات الخميني نفسه الذي ينقل عنه قوله: إذا ما مُنيت إيران بالهزيمة، فلا تظنوا أنها هزيمة لإيران، بل هي هزيمة لجميع الشعوب المظلومة في العالم. (النظام السياسي والدولة في الإسلام، داود فيرحي، ص:265)، وهي بهذا المنطق امتداد لفكر الخميني ليس على مستوى التأصيل، بل حتى على مستوى الواقع السياسي.وهنا نشير إلى أنّ عبارة «حفظ أم القرى فريضة على الأمة جمعاء، ويتقدم على أي أمر آخر»، هي نفسها التي يرددها كتاب محور الممانعة بعبارات مشابهة، عن وعي أو دون وعي استجابة لفرضيات ومسلمات هذا المذهب أو النظرية!وبعيدا عن أي انحياز عاطفي أو مذهبي، سنحاول مراجعة هذا المذهب في مستويات متعددة، بغية اكتشاف تماسكها من حيث منطقها الداخلي، ومن حيث الواقع المشاهد الذي تمثله إيران والمتوجب عليها وفق هذا المذهب حفظ مصالح الأمة «فالبلد الذي يصبح «أم القرى»، يتعين على قيادته مراعاة مصالح الأمة بأسرها».اللغة الاستعارية أم الاستعماريةأم القرى مصطلح قرآني ورد في موضعين اثنين لوصف مكة المكرمة، وذكر المفسرون تعليلات مختلفة لهذا الاسم، ليس هذا مكان بسطها، (ذكر الطاهر بن عاشور في تفسيره أن العرب كانوا يسمونها أم القرى، ولم أجد ما يثبت ذلك).هنا قام لاريجاني بتحويل «أم القرى» من مكة المكرمة إلى إيران، ليقترف استعارة خلطت بين الحقيقة والمجاز. فـ«الأم» في أصلها القرآني تعني المنشأ والمركز الحيوي الذي يُولد منه الوجود، وهي صفة انطبقت على مكة؛ لأنها مهبط الوحي وقطب الأرض الروحي. وحين يُنقل هذا الوصف إلى إيران، أو أي بلد آخر، يصبح المجاز مفتقرًا إلى الرابط المعنوي الجوهري: فلا ولاية إيران هي ولاية الرسالة، ولا ترابها ارتضاه الله قبلة للعالمين.ومع أن الطرح السياسي قد ينظر إليه بمنأى عن اللغة وحمولاتها، لكنني أعتقد أن الخطاب اللغوي هو جزء أصيل من السياسة بل هو حاملها الحقيقي والترويجي، فكلمة «أم» في أصلها اللغوي الإنساني تحمل عمقًا أنثويًا أصيلًا، فهي العطاء بلا استئثار، (غير المشروط)، والأصل الذي لا يحتاج إلى تأسيس، والأمان النفسي والروحي والحقيقي، أما نقلها إلى إيران فجاء محمولًا على سلطة تنازِع غيرها، وتؤسس وجودها بقوة الادعاء لا بثقل المعنى. فالاستعارة هنا لم تعد تكشف عن حقيقة، بل صارت أداة لتوظيف قداسة النص في تغطية نزعة مركزية تخالف روح «الأمومة» التي لا تحتكر الوجود بل تحييه في غيره، والتي هي نبع الأمان والحنان الذي لا نجده في واقع إيران منذ تأسيسها وثورتها، لو أردنا محاكمتها للواقع الذي يقيس استجابته للنظرية!إن بين مكة التي هي أم القرى بلا منازع، وإيران التي تريد أن تصير أمًا للقرى الإسلامية، تنفتح هوة هائلة، فالأولى مركز بالإجماع الديني والكوني، والثانية مركز بالقرار السياسي والاجتهاد الفقهي. فـ«الأم» في الاصطلاح القرآني أصالة تكوينية، لا مركزية يُجتهد لها. وحين يصبح المجاز مرادفًا للهيمنة، تتحول الاستعارة من أداة بيان إلى سلاح إقصاء، وتفقد «الأم» أمانها وتتحول إلى وصاية!لفظة «أم القرى» في اللغة العربية ليست مجرد تركيب نحوي عابر، بل هي عقد لغوي يعقد قِرانًا بين مفهوم الأمومة ومفهوم المكان. الأم في الذاكرة الجمعية هي الحضن الأول، هي من تسبق وجودك فتوجدك، والقرى ليست مجرد تجمعات سكنية، بل هي امتدادات وجودية للأم، أطراف تنتمي إلى مركز، أغصان تعود إلى جذع. حين استعار لاريجاني هذا التركيب القرآني ليعيد توطينه في جغرافية إيران السياسية لم يفعل ذلك عبثا، بل وعي منه بدور اللغة في الشحن النفسي والاستمالة العاطفية، وهو بذلك يرتكب جنوحا لغويا مقصودا بفصله الدال عن مدلوله، والزجّ بهذا الدال المقتلع بمدلول جديد يتناقض مع روح اللغة.إن اللغة ليست وعاءً محايدًا يمكن تعبئته بأي محتوى، بل هي كائن حي له ذاكرة، فحين نقول «أم»، تستيقظ في الذهن صور الرضاع والحنان والتضحية. وحين نقول «قرى»، نحس بالامتداد والتبعية الطبيعية، لاريجاني أراد للغة أن تنسى، وأن تمحو ذاكرتها وتتقبل هوية جديدة. لكن اللغة تأبى، فهي كالنخلة، تحتفظ بذاكرتها في جذورها مهما علت فروعها، أم القرى يقول القرآن عنها (أو لم نمكن لهم حرما آمنا)، ولكننا نتساءل هنا بعفوية طفل أين هذا الأمان مما تقوم به إيران في «القرى» من حولها، ما جعل مسؤولوها يصرحون أنهم يسيطرون على أربعة من عواصم هذه القرى/الدول! وهل يمكن لأم حقيقية أو مجازية أن تفعل كل ما فعلته «إيران» وميليشياتها في سوريا، من دمار وقتل للصغار والكبار، وعلى الهوية والانتماء، وكلها أحداث موثقة بالصوت والصورة؟ وقد يعترض معترض هنا أن الواقع لا علاقة له بالمذهب أو النظرية في مستواها الفكري، لكننا نقول من جهة أخرى إن المذهب الذي يرسمه لاريجاني هو الذي أباح لها ذلك، وأنتج هذا الواقع المتماهي مع النظرية والمتناقض معها في الوقت نفسه، فمن أجل حماية أم القرى/إيران، والحفاظ على الإسلام الصحيح، يحق لها فعل ذلك وأكثر، وهنا يأتي دور المجاز اللغوي ليخفف من وطأة هذا الواقع، ويمرر القبول بالمذهب. وترتبط السياسة واللغة رغم ما يبدو من بون شاسع بينهما.الإسلام الصحيح والمقلديعتقد لاريجاني أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الثورة في زمن قيادة الإمام الخميني أو في الوقت الحاضر تحت سماحة آية الله الإمام خامنئي هي -دون شك- أم القرى دار الإسلام، (مقولات في الإستراتيجية الوطنية، لاريجاني، ص:10) وهذه الرؤية اليقينية مبناها أن إيران هي الدولة التي تطبق الإسلام الصحيح، وفقا لمبدأ الولي الفقيه، لذلك فهي بلا شك بتعبير لاريجاني دار الإسلام التي يجب على بقية الدول «القرى» أن تضحي من أجل سلامتها والمحافظة عليها.هنا يبني لاريجاني نتيجة على مسلمة لا يقره عليها ملايين من المسلمين، وهذا نوع من الدوران في البرهان، أو المصادرة على المطلوب، وهذه المغالطة تحتاج براهين لا حصر لها للإقرار بها. لكن لاريجاني لا يقدم لهذه الرؤية برهانها، ولا جوابا حول من يحدد ما هو الإسلام الصحيح، ومن هي الدولة التي تمثل هذا الإسلام؟ وماذا عن الدول المسلمة الأخرى العربية وغير العربية؟ ما الذي يمنح إيران هذا الحق ويحرم غيرها؟ وماذا عن الطوائف والمذاهب الأخرى السنة وغيرهم الذين تجاهلتهم هذه العقيدة؟وهذه الأسئلة المنطقية ليست من صنع شخص منحاز إلى الطرف الآخر، فقد تعرض هذا المذهب لهذه المساءلة من نقاد إيرانيين يؤمنون بولاية الفقيه، منهم الباحث الإيراني حسين خاني الذي أورد عددا من المآخذ على هذا المذهب من بينها: أن هذا المذهب لن يحظَ بقبول باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية والعراق؛ إذ إن لكلٍّ من هذه الدول تراثًا حضاريًّا وتاريخيًّا وإسلاميًّا تستند إليه في ادّعاءاتها الخاصة، ثم إنه أغفل مكوِّن «أهل السنّة»، وهم يفوقون الشيعة عددًا في البلدان الإسلامية، بل إنه لا يُعزّز حتى روح الولاء لدى العشائر الإيرانية السنيّة التي تقطن في المناطق الحدودية الممتدّة على أطراف إيران الطولية. ويقول لقد عجز العالم العربي، رغم ما يجمع أقطاره من روابط ثقافية ولغوية وتاريخية، عن تحقيق تنسيق دائم ومستدام وطويل الأمد فيما بينه. فكيف لإيران بذلك؟ (امت گرایی در سیاست خارجی جمهوری اسلامی ایران؛ تطبیق دکترین های «أم القری» و«تعامل فزاینده»، حسين خاني).وقريبا من هذا النقد أورد باحثان إيرانيان آخران نقدا قاسيا مفاده أن هذه العقيدة فشلت فشلا ذريعا، إذ لا يوجد دول ترغب في الخضوع لوصاية دولة أخرى؛ لذلك، فإن هذه النظرية تسببت في التفرقة والتباعد بين دول العالم الإسلامي. (تحليل دکترین «أم القرى» في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، محمد رضا، وعلی ازغندی)إن هذا المذهب ينظر إلى أن للإسلام نسخة أصلية، ونسخا مقلدة أو غير معتمدة، وينحاز بكل ثقله للنسخة الإيرانية؛ لأنها تعتمد على مبدأ الولاية (ولاية الفقيه) ومبدأ القوة والقيادة، ويلغي بقية الدول لتصبح قرى تابعة للأم التي تملك الأصل الصحيح، الذي لا تقدم هذه العقيدة أدلة وبراهين مقبولة لاعتماده، وكل اعتمادها على مبدأ الولي الفقيه الولاية المطلقة، وهو مبدأ لا تؤمن به كثير من الطوائف الإسلامية باختلاف مشاربها، بل لا يؤمن به عدد من كبار المراجع الدينية الشيعية في إيران وخارجها كذلك.إن هذا المذهب «أم القرى» ليس فقهًا ولا سياسة فيما يبدو، بل يظهر كأيديولوجية سلطوية أعادت إنتاج عناصر الاستبداد باسم الدين، وجعلت من الإسلام غطاءً للهيمنة الإقليمية، فكانت سببًا في تمزيق ما تزعم جمعه، وكشفت عن أزمة أصيلة في المشروع السياسي الإيراني القائم على تأليه السلطة لا تأصيلها.هذا على مستوى تفنيد حجة الإسلام الصحيح وولاية الفقيه، فإذا انتقلنا إلى حجة القيادة والقوة التي تحمي الدول الإسلامية أو حتى المستضعفين في الأرض من الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية المتعجرفة في المنطقة، لنسأل ونتحقق من أن إيران فعلا هي القوة والقيادة التي حمت «القرى» من حولها؟ أم أن الواقع سيكشف تهافت هذه الحجة بشكل واضح.لا يُمكن أن ننكر امتلاك إيران لترسانة صاروخية كبيرة، وطائرات مسيرة محلية الصنع، وجيشًا ضخمًا، إضافة إلى ميليشيات عسكرية مدربة وموزعة في عدد من دول المنطقة. بيد أن هذه الإمكانات مجتمعة لا تمنحها الامتياز الوحيد في هذا الجانب، فعلى المستوى التقني لقوة الدول وجيوشها هناك من هو أولى منها في العالم الإسلامي كالقوة التركية والباكستانية التي تفوق القدرات الإيرانية بمراحل، لا سيما وأن الأخيرة تمتلك ردعًا نوويًا. لكن الذي حدا بلاريجاني إلى حصر الأهلية بهذا الدور في إيران وحدها -دون غيرها- هو مزيج من الإرادة الذاتية من جهة، ومن التصور القائم على فكرة «الإسلام الصحيح» ونظرية ولاية الفقيه من جهة أخرى، ما صرف النظر عن المعطيات الجيوستراتيجية الفعلية في المنطقة.وإذا انتقلنا إلى الواقع المعاصر لنقيس مدى فعالية هذا المعيار الذي قدمه لاريجاني، وأنها تمتلك القيادة والقدرة على حماية الأمة، سنجد أننا أمام حوادث تثبت العكس تماما، فقائد أكبر حزب صنعته (حزب الله) قضى نحبه في غارة إسرائيلية على لبنان، وذلك على مرأى ومسمع من «أم القرى»/إيران، دون أن تُحرك ساكنًا. كما أن قائد حركة حماس، التي دعمتها إيران ومولتها مدة من الزمن، وزجّت بها في مواجهة عنيفة مع العدو الإسرائيلي المغتصب، قُتل بغارة مشابهة، لكن هذه المرة على الأراضي الإيرانية، ولم تستطع قوة «أم القرى» حمايته أو الثأر له. ثم جاءت الحرب الغاشمة على إيران نفسها من إسرائيل وأمريكا، وقضت على القيادات العليا للحكومة الإيرانية في الساعة الأولى من بداية المعركة، في اختراق أمني واستخباراتي لا مثيل له، وفقدت «أم القرى» الولي الفقيه نفسه (علي خامنئي)، الذي يُعد حجر الزاوية في مذهب «أم القرى».في ضوء هذا العجز الواضح في القدرات الدفاعية الإيرانية -على الرغم من حجم ترسانتها العسكرية- يبدو أن ثمة تضخمًا في مستوى التفكير الرغبوي لدى محمد لاريجاني في صياغته لمذهبه الذي شكّل، لمدة من الزمن محور الإستراتيجية الخارجية الإيرانية. خصوصا في التسعينات وما زالت أفكاره تؤثر على نخبة من كتاب محور الممانعة!دولة حديثة أم إمبراطورية توسعيةإذا انتقلنا إلى مستوى آخر في مناقشة هذا المذهب وهو مستوى القانون الدولي، سنجد المفارقة تزداد وضوحا، فإيران تعيش في عصر الدولة، وتُشارك في محافل الأمم المتحدة، وتُوقع المعاهدات، وتُقر بدستورها بحدودها الجغرافية، وتُرسل سفراءها إلى عواصم العالم، وتطالب بحقها في السيادة على أساس المساواة مع سائر الدول وهو حق طبيعي، ثم في اللحظة نفسها، تريد أن تتبنى مذهبا يقول إنها «أم القرى»، وإن على الدول الأخرى أن تذعن لهذه المركزية، بل إن حفظ كيانها واجب شرعي على الأمة جمعاء. إنها تريد أن تكون دولة ضمن نظام دولي قائم على السيادة المتساوية، وإمبراطورية بلا حدود في آن واحد. وهذا هو التناقض الذي لا يُجيب عنه الاجتهاد الفقهي، ولا تُعالجه المقولات الأيديولوجية.القانون الدولي -كما نعرفه اليوم- هو وليد تجارب مريرة مع فكرة «الإمبراطورية»، وقد كُتبت مواثيقه على أنقاض فكرة «حق القوة» الذي كانت تدّعيه الدول العظمى لتبرير هيمنتها. (بغض النظر عن التناقضات التي يعاني منها)، فمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة في السيادة، وحق الشعوب في تقرير المصير، كلها قواعد وُضعت لتحصين الدول من أن تُبتلع في مشاريع كبرى باسم الدين أو الحضارة أو أي غطاء آخر. ولكن مذهب «أم القرى» يعيد إنتاج هذا الغطاء نفسه، فهي تطلب من المجتمع الدولي أن يعترف بإيران كدولة ذات سيادة، وفي الوقت ذاته تنكر على جيرانها هذه السيادة إذا تعارضت مع مصالح «المركز». وهذا ليس تناقضًا نظريًا فحسب، بل هو مصدر دائم للصراع في المنطقة، وهذا قد يفسر لنا استباحة إيران لقصف دول الجوار في حربها الحالية، من أجل حماية نفسها، لا من أجل التذرع بالقواعد الأمريكية بالدرجة الأولى، فسيان وجود القواعد من عدمها؛ لأن ضرب هذه القرى وتفجير المنطقة ومصادر الطاقة فيها سيهدد الأمن العالمي ويحقق ضغطا هائلا لإيقاف الحرب وحفظ نفسها، ولتذهب مبادئ القانون الدولي إلى الجحيم، وعلى القرى أن تتحمل كل ذلك من أجل حماية المركز/أم القرى، وفقا لرؤية لاريجاني ومذهبه!هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في تعامل إيران باعتبارها أم القرى مع مفهوم الحدود. فالحدود في القانون الدولي خطوط فاصلة بين سيادات متساوية، تحدد اختصاص الدولة، ولكن في منطق «أم القرى»، تصبح الحدود مجرد حواجز شكلية لا تمنع امتداد ولاية الفقيه، ولا توقف الشعور بالمسؤولية المقدسة تجاه المركز. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إيران التي تطالب بالحفاظ على حدودها كاملة كجزء من «أم القرى»، هي نفسها التي تتعامل مع حدود جيرانها وكأنها قابلة للاختراق باسم «الأمة»، وتنشئ شبكات من النفوذ والميليشيات تعمل عبر هذه الحدود كما لو كانت غير موجودة.ولا يقتصر التناقض على مستوى الحدود والسيادة، بل يمتد إلى مفهوم «المواطنة» نفسه. فالدولة الحديثة تقوم على رابطة المواطنة التي تجمع كل من يعيش على أرضها، ولكن مذهب «أم القرى» يعيد تعريف هذه الرابطة: فالولاء الديني للفقيه الحاكم يصبح هو الرابط الأسمى، ويتقدم على الولاء الوطني. وهذا يعني أن المواطن الإيراني ليس مواطنًا بالمعنى الحديث، بل هو عضو في أمة تعلو على الدولة، وهو ملزم بطاعة ولاية تمتد خارج الحدود. وفي المقابل، فإن غير الإيراني في دول الجوار يُدعى إلى ولاء يتجاوز ولاءه لدولته، وكأن المواطنة مجرد قيد شكل يمكن تجاوزه باسم الانتماء الأعلى. وهكذا تتحول النظرية إلى أداة لإفراغ مفهوم المواطنة من مضمونه، وإضعاف الروابط الوطنية في الدول المستهدفة، باسم مشروع لا يعترف إلا بمرجعية واحدة، وهنا يتصادم مفهوم المواطنة العلماني مع المفهوم الأيدلوجي في مذهب أم القرى، بطريقة يستحيل معها التوافق والقبول.أما على صعيد القانون الدولي الإنساني، فالتناقض أكثر وضوحًا وإيلامًا. فقواعد الحرب التي وضعتها اتفاقيات جنيف تهدف إلى الحد من العنف وحماية المدنيين، وتفرض التزامات متساوية على جميع أطراف النزاع. ولكن نظرية لاريجاني تقول إن «حفظ النظام» قد يستدعي «تعطيل الأحكام الأولية»، وهي عبارة مفتوحة يمكن أن تشمل تعطيل أي قاعدة، بما فيها القواعد التي تحمي المدنيين والأعيان المدنية أو تحد من استخدام القوة. إنها تضع النظام السياسي فوق القانون، وتجعل من ضروراته مبررًا لتجاوز كل الضوابط.ولعل أخطر ما في هذه العقيدة أنها تضع إيران نفسها في مأزق لا مخرج منه: فهي تريد أن تكون جزءًا من النظام الدولي، وتستفيد من مؤسساته، وتستخدم حقه في الدفاع عن سيادتها، لكنها في الوقت نفسه ترفض التزامات هذا النظام، وتتصرف كما لو كانت استثناءً لا تخضع لقواعده. وهذا الموقف المزدوج ليس مجرد تناقض منطقي، بل هو صفة دائمة للعزلة والصراع؛ لأن أي نظام دولي، مهما كان مثاليًا أو قاصرًا، لا يمكن أن يتحمل وجود دولة تريد أن تكون فوق القانون باسم مذهب لا يعترف به أحد سواها. وهكذا تظل إيران عالقة بين حلم الإمبراطورية وواقع الدولة، بين ادعاء القيادة ورفض التبعية، بين لغة الدين وأدوات القوة، وبين ما تريده إيران لنفسها وما لا تقبله للآخرين. وهي، في النهاية تشرح كيف يمكن لدولة أن تعيش في تناقض دائم مع محيطها، دون أن تجد في تناقضها هذا سوى مبرر للمزيد من العزلة والتحدي.إن مذهب أو نظرية أم القرى رغم ضعفها وعدم معقوليتها، وتعرضها لنقد شديد حتى في الأوساط الإيرانية نفسها، التي سعت للتخلص من تأثيرها، خاصة مع تأثير مهندسها وصانعها الذي شغل مناصب حساسة في الدولة الإيرانية منها كبير مستشاري المرشد الأعلى في الشؤون الخارجية، والنائب العالمي عن النظام القضائي الإيراني وغيرها من المناصب، ظلت مؤثرة في السياسة الخارجية الإيرانية فترة التسعينات وما بعدها، وامتد تأثيرها الإعلامي الخطير حتى كوّن ما يشبه بميثاق أو مسلمة لا تقبل التفاوض لدى كتاب ومنظري محور الممانعة، يرددون مبادئها ومقولاتها دون إدراك لحجم المغالطات المنطقية والواقعية التي يقعون فيها.إن كون إسرائيل عدو حقيقي وخطير في المنطقة لا يستلزم منه عقلا ولا واقعا أن تكون إيران هي الصديق الوفي، ففكرة أن عدو عدوي صديقي، هي مغالطة تختزل العلاقات في ثنائيات مخلة، فقد يكون عدو عدوي هو عدوي أيضا، أو محايدا، أو صديقا، ولكن في الوضع التاريخي للمنطقة وسجل الذاكرة لما فعلته إيران عبر عقود من الزمن في دول الجوار لا يمكن نسيانه واعتباره من الماضي السحيق، وهي حقوق أصيلة لا تسقط بالتقادم، بل ما زالت الذاكرة حية وطرية وتستحضر صورا من الدمار والقتل والخراب والتفجيرات في لبنان والعراق واليمن وآخر مناطق النزيف الدامي في سوريا، ثم أخيرا في استهداف البنى التحتية والأعيان المدنية في الخليج، ورغم كل ذلك يريد كتاب محور الممانعة من كل هؤلاء المتضررين أن يدوسوا على ذاكرتهم، ويتناسوا جراحهم وقتلاهم، ويرحبوا بقصف إيران لأوطانهم، لأن إيران بحاجة إلى ذلك من أجل أن تبقى أم القرى، ولأنها لو زالت فسوف تزول هذه الدول، وهو الخطاب نفسه الذي سمعناه وقرأناه مرارا وتكرارا عند كل حدث سياسي في المنطقة منذ احتلال العراق للكويت، وكانت «تلك أمانيهم» ولكن الأماني شيء والواقع شيء آخر، حتى صدق على الأصدقاء من كتاب محور الممانعة المثل الشهير: «الحمار لا يشارك في السباق، ولكنه يضحك على الحصان الخاسر»! إلا أنهم في كل مرة سبقت كانوا يضحكون على الحصان الرابح!
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤