نهلة كدر رحال - سوريا
غالب الناس سمعوا بقصة الامبراطور الذي كان يحب الثياب أكثر مما يحب أفراد عائلته وحاشيته ورعيته، ويهتم بها أكثر بكثير مما يهتم بشؤونهم وتأمين أهم حاجاتهم. ربما لأن التاج المرصع بأغلى الجواهر الذي كان يزين به رأسه قد تحول إلى قفصٍ أقفل على عقله فمنعه من التفكير فيهم، إذ جاءه حائكان ادعيا أنهما يخيطان أفخم الألبسة لكن من قماش لا يراه إلا الأذكياء، وكذلك النول الذي ينسجان عليه مخفي عن عيون الأغبياء. فصدقهما وكلّفهما صنع الحلة الملوكية التي سيظهر فيها في الموكب المهيب في الاحتفال الذي تقيمه حاشيته وينفذه القريبون منها والمنتفعون مثل أفرادها من امتيازاته وعطاءاته، وتشارك الرعية في إحيائه من دون أن تعلم سبب إقامته .
وبعد مرور أسبوع أرسل رئيس وزرائه ليرى ما أنجزاه بعد أن دفع الأموال الطائلة للحائكين، فادعى أنهما يقومان بعمل مبدع كما ادعى الامبراطور حين قدم بنفسه إليهما حتى لا يُتّهما بالغباء، وكذلك الجماهير المحتشدة لرؤية الموكب راحت تهتف للإمبراطور وتعبر عن اعجابها لتؤكد تمتعها بصفة الذكاء، إلا طفل صغير صرخ بدهشة لكن الامبراطور عار لا يلبس ما تتحدثون عنه؟ فاخترق ذلك التعليق البريء الصادق كل الأكاذيب، بل اخترق عقل الامبراطور وقلبه وجعله يواجه بشاعة المحيطين به بعد أن أخرسهم ذلك التعليق وأظهر عجزهم وعجزه الكبير أمام طفل صغير. ولايزال التعليق الصادق يربك أذكى الشخصيات وأقواها فتنسى كل ما عداه من التعليقات المادحة والأقوال الموافقة والمؤيدة، لتلتفت إلى الرد عليه وتنشغل بحذفه وحذف من أعجب به وحظر من أطلقه لإزالة كل تأثير أحدثه في نفوس قارئيه .
فتنبهوا أيها السادة إلى تعليقاتكم وتعليقات غيركم على المنشورات، فبعضها صريح إلى الدرجة التي تعري المقصود به وتؤدي به إلى الغضب والانتقام أو إلى الاحباط والانكفاء، وبعضها الآخر بذيء فينسى المقصود به خجله ويحاول رد الإساءة بإساءة أكبر ووقاحة أوضح، وإن نتجت من ذلك فتنة وخصام وربما قتال شرس بالكلمات قد ينتقل من المجتمع الافتراضي إلى الواقع الحقيقي مخلفاً أسوأ الكوارث. ولا يفوتكم أن الكثير من التعليقات قد أصبح أفخاخاً يقع فيها كثيرون في حبال من يتربص بهم لاستغلالهم أو ابتزازهم.
والخلاصة: تعليقاتكم تكشف شخصياتكم، فاحرصوا على أن تكون راقية الكلمات وجميلة المعاني وسامية الأفكار والأهم أن تكون مفرحة للمقصود بها، محفّزة له حين يصيب أو محذّرة حين يخطئ وإلا فاصمتوا فالصمت في الحرم الإلكتروني الجميل... جمال.



