هل انتهى الخطر؟
غداً الجمعة يُفترض أن توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في متحف «بيرغنستوك» (Bürgenstock) بوسط سويسرا، وفي حال تم التوقيع على المذكرة فإن العالم سيتنفس الصعداء بعد شهور من التوتر والتصعيد العسكري والأزمة الاقتصادية الخانقة إثر تعطل مضيق هرمز وتوقف صادرات الطاقة، وسينشغل العالم بعد هذا الاتفاق بسؤال سيبقى مطروحاً بعد التقاط الصور التذكارية وتبادل عبارات التهدئة وهو: هل انتهت الحرب؟ أم: هل انتهى الخطر الإيراني؟ في السياسة الدولية، كثيراً ما توقف الاتفاقيات تفاقم الحروب وتأثيراتها لكنها لا تُنهي أسبابها، فالتاريخ مملوء بمعاهدات أوقفت إطلاق النار من دون أن تغير طبيعة الأنظمة أو أهدافها الاستراتيجية، ومن هنا تبدو القراءة المتأنية لأي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران ضرورة لفهم ما سيأتي بعده، لا الاكتفاء بالاحتفاء بما تحقق قبله. خلال أيام الحرب بين واشطن وطهران التي امتدت نحو 40 يوماً ركزت الولايات المتحدة وإسرائيل جهودهما على توجيه ضربات قاسية للبنية التحتية النووية الإيرانية، في محاولة لتدمير أو لنقل تأخير المشروع النووي سنوات إلى الوراء، وربما نجحت هذه العمليات في تدمير منشآت ومراكز أبحاث ومخازن ومعدات حساسة، لكن السؤال الذي يواجه صناع القرار في الغرب اليوم هو ذاته الذي واجه الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية عندما سعوا لإحباط البرنامج النووي لألمانيا النازية أيام هتلر. ففي عام 1943 نفذ كوماندوز تابع للحلفاء عملية جريئة لتدمير منشأة «فيمورك» التي كانت تنتج المياه الثقيلة اللازمة للمشروع النووي لهتلر، ونجحت العملية وأخّرت المشروع، لكنّها لم تنهِ طموح هتلر في الحصول على سلاح نووي، واحتاج الأمر إلى عمليات إضافية وقصف مستمر ومن ثم حرب شاملة حتى انتهت الحرب نفسها وانتحار هتلر، وكان من أهم دروس الحرب العالمية الثانية أن تدمير المنشآت لا يعني تدمير الفكرة؛ ليكون التغير الداخلي هو الأهم من تدمير المنشأة، لذلك نجد عديداً من الدول الغربية، خصوصاً في أوروبا، ما زالت إلى هذا اليوم تفرض قوانين صارمة تجرِّم رفع الشعارات والرموز النازية وتؤدي إلى عقوبات قانونية. صحيح أن الضربات التي وجهتها أميركا وإسرائيل دمرت أجهزة الطرد المركزي، والمفاعلات النووية، وقد تُؤجل برامج التخصيب للبرنامج النووي الإيراني لسنوات طويلة، لكن المعرفة العلمية التي اكتسبتها إيران خلال عقود لا يمكن قصفها أو محوها، والأهم من ذلك أن العقيدة السياسية التي دفعت النظام إلى الاستثمار في هذا المشروع طوال هذه السنوات لم تتغير. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 لم يكن المشروع النووي مجرد برنامج علمي أو اقتصادي، بل كان جزءاً من رؤية أوسع تسعى إلى تحويل إيران إلى قوة إقليمية مهيمنة تمتلك أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة خصومها، ولهذا السبب استمر المشروع رغم العقوبات والحصار والضغوط الدولية والاغتيالات والعمليات السرية. صحيح أن الاتفاق المرتقَب توقيعه غداً قد يفرض قيوداً جديدة ويمنح المجتمع الدولي فترة من الهدوء، لكنه لا يجيب عن سؤال جوهري يتعلق بطبيعة النظام نفسه، فهل تخلت طهران عن مشروعها التوسعي؟ وهل تراجعت عن استخدام الأذرع المسلحة في المنطقة؟ وهل تغيرت نظرتها إلى موازين القوى في الشرق الأوسط؟ الحقيقة والواقع لا يشيران إلى ذلك. فالنفوذ الإيراني الذي امتد لعقود عبر شبكات من الحلفاء والميليشيات لم يكن مرتبطاً فقط بالملف النووي، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع مجال النفوذ الإيراني من الخليج إلى البحر المتوسط، وحتى لو تضررت هذه الشبكات خلال السنوات الأخيرة، فإن الفكر الذي أنتجها ما زال قائماً، والقيادات التي تؤمن به ما زالت موجودة. ولهذا فإن الخطأ الذي قد يقع فيه البعض هو الخلط بين تراجع القدرات وتغيُّر النيَّات، فالقدرات يمكن تدميرها أو إضعافها، أما النيَّات والآيديولوجيات فتحتاج إلى تحولات سياسية وفكرية أعمق بكثير، ومن هنا يمكن القول إن الاتفاق يمثل نهاية جولة من الصراع، ولا يمثل نهاية القصة، أما السؤال: هل انتهى الخطر الإيراني؟ فالإجابة، على الأقل حتى الآن، تبدو أبعد ما تكون عن كلمة «نعم».المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



