هل الكفاءة عبء وظيفي
•هل الكفاءة عبء وظيفي الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم تقوم الإدارة الحديثة على مبدأ راسخ مفاده أن الأداء المتميز ينبغي أن يقود إلى التقدير، والتطوير، وفرص التقدم الوظيفي.
•أما عندما يصبح التميز سببًا لتحميل الموظف مزيدًا من الأعباء دون تقدير أو مقابل عادل، فإن المؤسسة تكون قد وقعت في واحدة من أخطر الممارسات الإدارية، وهي ما يمكن تسميته بـ “عقاب الكفاءة”.
•هذه الممارسة لا تصدر بقرار إداري، ولا ترد في أي نظام أو تعليمات، لكنها تتسلل إلى بيئة العمل تدريجيًا حتى تتحول إلى ثقافة غير معلنة.
هذا الخبر من سواليف. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: سواليف | Source: سواليفهل الكفاءة عبء وظيفي
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تقوم الإدارة الحديثة على مبدأ راسخ مفاده أن الأداء المتميز ينبغي أن يقود إلى التقدير، والتطوير، وفرص التقدم الوظيفي. أما عندما يصبح التميز سببًا لتحميل الموظف مزيدًا من الأعباء دون تقدير أو مقابل عادل، فإن المؤسسة تكون قد وقعت في واحدة من أخطر الممارسات الإدارية، وهي ما يمكن تسميته بـ “عقاب الكفاءة”.
هذه الممارسة لا تصدر بقرار إداري، ولا ترد في أي نظام أو تعليمات، لكنها تتسلل إلى بيئة العمل تدريجيًا حتى تتحول إلى ثقافة غير معلنة. فكلما أثبت الموظف كفاءة أعلى، وسرعة في الإنجاز، والتزامًا بواجباته الوظيفية، ازداد الاعتماد عليه، ليس ضمن حدود اختصاصه فحسب، بل لتعويض ضعف الأداء أو التقصير لدى آخرين.
وهنا تنتقل الإدارة، دون أن تشعر، من مبدأ التوزيع العادل لعبء العمل إلى مبدأ تحميل الأكفأ نتائج ضعف غيره.
وفي كثير من المؤسسات، يصبح الموظف المنتج هو الخيار الأول لكل مهمة عاجلة، ولكل ملف متعثر، ولكل أزمة تحتاج إلى حل سريع. وفي المقابل، يبقى الموظف الأقل إنتاجية بمنأى عن الضغوط، ليس لأنه يؤدي عمله بكفاءة، بل لأن الإدارة اعتادت انخفاض مستوى الإنجاز لديه، فلم تعد تتوقع منه أكثر مما يقدمه.
وهذا الواقع يتعارض مع مبادئ العدالة الوظيفية، التي تقتضي أن يستند توزيع المهام والمسؤوليات إلى الوصف الوظيفي، وحجم العمل، والطاقة الاستيعابية، ومؤشرات الأداء، لا إلى قدرة موظف بعينه على تحمل المزيد من الضغوط.
ومع مرور الوقت، تتحول الكفاءة إلى عبء. فبدلًا من أن يكون التميز وسيلة للتقدم الوظيفي، يصبح سببًا في زيادة المسؤوليات، بينما يتحول ضعف الأداء، بصورة غير مباشرة، إلى وسيلة لتخفيف الأعباء. وعند هذه المرحلة، ترسل المؤسسة رسالة خطيرة إلى العاملين فيها مفادها أن الاجتهاد يقود إلى الاستنزاف، في حين أن التقصير لا يترتب عليه سوى انخفاض سقف التوقعات.
ولا تتوقف آثار هذه الممارسة عند حدود الموظف المتميز، بل تمتد إلى الثقافة المؤسسية بأكملها. فالمبادرات الفردية تبدأ بالتراجع، والحماس يفقد زخمه، ويتجه بعض الموظفين إلى إبطاء وتيرة الإنجاز تجنبًا لتحمل مسؤوليات إضافية. ومع الوقت، يختار أصحاب الكفاءات البحث عن بيئات عمل أكثر عدالة، في حين تبقى المؤسسة تخسر خبراتها بصمت، وهي تعتقد أن المشكلة تكمن في دوران الموظفين، لا في أسلوب إدارتهم.
ومن منظور الحاكمية الرشيدة، فإن استمرار تكليف موظف بمهام إضافية خارج نطاق مسؤولياته، دون إعادة النظر في توزيع الأعباء أو مراجعة الوصف الوظيفي أو منحه الحوافز المناسبة، يمثل خللًا في إدارة الموارد البشرية، ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين العاملين، كما يضعف كفاءة المؤسسة على المدى البعيد.
فالوظيفة، سواء في القطاع العام أو الخاص، ليست التزامًا مفتوحًا بلا حدود، وإنما علاقة تنظيمية تحكمها مسؤوليات وحقوق متبادلة. وعندما تتحول المهام الإضافية من حالة استثنائية إلى ممارسة دائمة، فإنها تستوجب مراجعة تنظيمية تضمن عدالة توزيع العمل، وتعيد التوازن بين المسؤوليات والصلاحيات، وتربط أي زيادة في الأعباء بحوافز أو مزايا تتناسب معها.
ولا يعني ذلك أن يرفض الموظف الكفء تحمل المسؤولية أو التعاون عند الحاجة، فكل مؤسسة تمر بظروف استثنائية تتطلب تكاتف الجميع. غير أن الاستثناء يجب أن يبقى استثناءً، لا أن يتحول إلى قاعدة إدارية تستنزف الأشخاص الأكثر التزامًا، وتمنح الآخرين مساحة للتهرب من مسؤولياتهم.
وفي المقابل، فإن المدير الكفء يدرك أن الثقة بموظفيه لا تُقاس بعدد الملفات التي يحملها لهم، بل بقدرته على استثمار إمكاناتهم بطريقة تحقق مصلحة المؤسسة وتحافظ على استدامة أدائهم. فالثقة الحقيقية تعني منح الصلاحيات، وإشراك الكفاءات في صنع القرار، وتأهيلها للمواقع القيادية، وتقدير جهودها ماديًا ومعنويًا، لا تحويلها إلى ملاذ دائم لمعالجة أوجه القصور لدى الآخرين.
إن المؤسسات الناجحة لا تبني إنجازاتها على استنزاف أكثر موظفيها إنتاجية، بل على بناء منظومة متوازنة تقوم على المساءلة، وتكافؤ الفرص، والعدالة في توزيع المهام، وربط الحوافز بمؤشرات الأداء، وتمكين جميع العاملين من تطوير قدراتهم وتحمل مسؤولياتهم.
فالعدالة الإدارية لا تتحقق عندما يعمل المجتهد أكثر من الجميع، وإنما عندما يخضع الجميع للمعايير ذاتها في التكليف، والتقييم، والمساءلة، والمكافأة.
وعندها فقط، تصبح الكفاءة طريقًا للتقدم والتميز، لا سببًا للإرهاق والاستنزاف، ويصبح النجاح المؤسسي نتاج منظومة عادلة، لا ثمرة تضحيات عدد محدود من الموظفين الذين يدفعون ثمن كفاءتهم كل يوم.
هذا المحتوى هل الكفاءة عبء وظيفي ظهر أولاً في سواليف.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة سواليف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by سواليف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





