هل الحياد ممكن في اعتداءات إيران على الخليج؟
layout
Sun, 04/05/2026 - 00:23
بمجرد اندلاع حرب أميركا وإسرائيل وإيران، شنت طهران هجمات على دول الخليج، ما طرح السؤال: هل يمكن الحياد في هذه الاعتداءات المستمرة رغم تأرجح الحرب بين التسوية والتصعيد؟
الجواب المباشر: لا. فالتوتر مع إيران لم يبدأ اليوم، ولم يكن يوما محصورا في حدودها، بل بدأ قبل حوالي نصف قرن، وتوغل في "ساحات عربية" كثيرة، عبر أدوات مختلفة، عسكرية وأمنية وسياسية، جعلت من مفهوم الحياد فكرة صعبة، خصوصا من أولئك الذين ذاقوا طعم "التوغل الإيراني".
في العراق، بعد إسقاط أميركا نظام صدام حسين وتفكيك المؤسسات عام 2003، دخلت إيران بقوة إلى هذه "الساحة". دعمت فصائل وميليشيات، وساهمت في تشكيل واقع أمني جديد. لم تعد الدولة وحدها صاحبة القرار، بل أصبح هناك أكثر من مركز قوة، وأكثر من جهة تتحكم في الميدان، وتنتهي خيوطها في طهران.
استُخدم "داعش" كعامل إضافي لهندسة طائفية للقبض على خناق "الجبهة الشرقية" العربية. هذا الواقع أضعف مؤسسات الدولة، وجعل القرار موزعا بين السلاح والسياسة والمال وأضعف الاقتصاد وربط أجزاء واسعة من "الساحة العراقية" بنفوذ خارجي. قاد قاسم سليماني هذا التوغل بشكل مباشر، وأشرف على بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود، تربط بين العراق وسوريا ولبنان وغيرها. شبكة قادرة على التحرك بسرعة، وعلى استهداف خصوم إيران في أكثر من ساحة، بما في ذلك دول الخليج.
في سوريا، لم يكن الحضور الإيراني طارئا، بل هو امتداد لتحالف طويل، بدأ مبكرا من عمر "ثورة" الخميني مع الأسد الأب. وترجم هذا التحالف بين "البعث" السوري و "الثورة الإسلامية" في طهران، بتأسيس "حزب الله" في لبنان بداية الثمانينات. استمر مع "المرشد" علي خامنئي، وتكرّس عبر العلاقة مع الأسد الابن، حيث تحولت سوريا الضعيفة إلى منصة ارتكاز أساسية في التمدد الإيراني. توسّع دور "الحزب"، وتحوّل من فاعل محلي إلى ذراع إقليمية، يمتلك خبرة قتالية، وينتشر ويشارك في معارك تتجاوز حدود لبنان، ضمن رؤية أوسع لإدارة النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، كان قرار"المرشد" واضحا، إيران لم تقف على الحياد، بل توغلت بشكل مباشر، دعمت النظام، أرسلت مستشارين ومقاتلين، وشاركت ميليشيات مرتبطة بها في القتال، ما ساهم في تغيير مسار الصراع على الأرض لصالح الأسد خصوصا بعد الدعم الروسي.
هناك رؤيتان للشرق الأوسط، إيرانية وخليجية الحياد يفترض وجود مسافة محايدة، لكن هذه المساحة مزدحمة بالتدخلات والمرارات والمسيّرات.
04 أبريل , 2026
مدت إيران أيديها إلى "الساحة الفلسطينية" بدعم فصائل في غزة تنافس السلطة في رام الله، ولها تمددات أيديولوجية ولوجستية في القطاع وما وراءه
في اليمن، يتكرر النمط نفسه، دعم سياسي وعسكري لجماعة الحوثيين، بالمال والسلاح والتدريب، ما مكّنها من السيطرة على مساحات واسعة، وخلق واقع جديد على حدود دول الخليج يتسم بعدم الاستقرار والتهديد المستمر. هذا الدعم لم يبقَ داخل اليمن فقط، بل انعكس على أمن المنطقة ككل، عبر استهدافات متكررة، وتهديد مباشر للممرات البحرية، خصوصا مضيق باب المندب، الذي يشكل شريانا حيويا للتجارة العالمية، مرتبطا بشكل مباشر بحركة الملاحة في قناة السويس المصرية. وفي تلك الزاوية، مدت إيران أيديها إلى "الساحة الفلسطينية" بتدريب مقاتلين في معسكرات "محور الممانعة" ودعم فصائل في غزة تنافس السلطة في رام الله، ولها تمددات أيديولوجية ولوجستية في القطاع وما وراءه.
التمدد الإيراني لم يتوقف عند هذه "الساحات"، كانت هناك "خلايا نائمة" في الخليج، واختراقات في السودان، وتحركات في ليبيا، واهتمام متزايد بمناطق عربية أخرى في شمال أفريقيا، ضمن نمط يعتمد على بناء امتدادات محلية، واستخدامها كأدوات نفوذ.
هناك رؤيتان للمنطقة، وهنا الانحياز مصلحة وطنية. فالحياد يفترض وجود مسافة محايدة، لكن هذه المساحة مزدحمة بالتدخلات والمرارات
جذور التوغل تعود إلى "الثورة" الإيرانية 1979، حيث تبنت طهران فكرة "تصدير الثورة"، ثم مأسستها في "حلف المقاومة" الذي يقوم على اختراق حدود الدول، وبناء شبكات موازية، واستخدام الفاعلين غير الرسميين للاستثمار في الفوضى والفقر والتطرف.
في المقابل، كانت دول الخليج تقدم رؤية مختلفة. تمد أيديها إلى الدول العربية، عبر دعم الدول وتقديم المساعدات المالية، والمشاريع الاقتصادية، والدعم السياسي والدبلوماسي، وفتح أسواقها أمام العمالة والخبرات. قدمت نموذج الاستقرار مقابل الفوضى، الاستثمار مقابل الخلايا، الجيش مقابل الميليشيات، الدول مقابل الأقاليم، المستقبل مقابل الماضي، الخوارزميات مقابل المسيّرات.
أمام هاتين الرؤيتين يصبح اللاحياد ضرورة أخلاقية والانحياز مصلحة وطنية. فالحياد يفترض وجود مسافة محايدة، لكن هذه المساحة مزدحمة بالتدخلات والمرارات والمسيّرات.
05 أبريل , 2026
Show on issuepdf page
Off