حكومة الفراقشية.. حين يتحول الوطن إلى غنيمة والمال العام إلى علف للنافذين
لم يعد المغاربة اليوم بحاجة إلى تقارير دولية أو أرقام صادمة ليكتشفوا حجم الاختلال الذي تعيشه البلاد، فواقع الأسواق يكشف كل شيء، وصرخات المواطنين أمام موجة الغلاء تختصر الحقيقة كاملة، وتؤكد أن الحكومة فقدت البوصلة، وانشغلت بحماية مصالح لوبيات المال والاحتكار أكثر من انشغالها بحماية القدرة الشرائية للمغاربة.
في بلد يئن فيه المواطن تحت ثقل الأسعار، ويصارع الموظف البسيط والتاجر الصغير والعامل اليومي من أجل البقاء، خرجت علينا حكومة تحولت في نظر كثيرين إلى “حكومة الفراقشية”، ليس فقط بسبب تضارب المصالح، بل لأن المال العام أصبح يُصرف وكأنه ملكية خاصة تُوزع على المقربين وأصحاب النفوذ والامتيازات.
المغاربة لم يعودوا يفهمون كيف تُصرف عشرات المليارات تحت شعار “الدعم” بينما أسعار اللحوم والأضاحي والخضر والمواد الأساسية تواصل الاشتعال بلا رحمة، فأين ذهبت أموال الدعم العمومي؟ وكيف يمكن تفسير تبخر ما يقارب 76 مليار درهم دون أثر حقيقي على الأسواق؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا النزيف المالي الذي يجري أمام أعين الجميع؟
الجواب يعرفه المغاربة جيداً.. فقد تحولت سياسة الدعم إلى بقرة حلوب لفئة محدودة من كبار المستوردين والمحتكرين والمقربين من دوائر القرار، بينما تُرك المواطن وحيداً في مواجهة الجوع والغلاء والانهيار المتواصل للقدرة الشرائية، الدولة تدفع، والخزينة تُستنزف، لكن المواطن لا يرى سوى مزيد من الفقر، ومزيد من الاحتقان، ومزيد من الإحساس بالحكرة.
الأخطر من كل ذلك أن هذا العبث يتم في مناخ يطغى عليه صمت مريب، صمت يجعل المواطن يتسائل يوميا ويردد “أصبحت بعض الأسماء فوق القانون؟ وهل صار نهب المال العام مجرد “خطأ إداري” لا يستوجب المحاسبة؟ ولماذا تتحرك المتابعات بسرعة عندما يتعلق الأمر بضعيف سرق رغيف خبز، بينما تتجمد الملفات حين يتعلق الأمر بمليارات الدراهم وصفقات مشبوهة وتضارب مصالح واضح؟”
إن المغرب الذي استطاع أن يفرض نفسه قارياً ودولياً في مجالات البنية التحتية والاستثمار والرياضة، لا يمكن أن يستمر بعقلية الإفلات من العقاب، فالدول لا تسقط فقط بسبب الفقر، بل حين يفقد المواطن ثقته في العدالة وفي مؤسسات يفترض أن تحميه من تغول الفساد.
القضاء المغربي اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي، بعد تراجع غير مبرر للمجلس الأعلى للحسابات، وقبر قانون الاستغناء وغيرها من القوانين التي كانت تفتح باب محاسبة “الفراقشية”، فالمحاكم لم تعد مطالبة فقط بمحاكمة صغار المنحرفين وقضايا الهامش، بل أصبحت مطالبة بالتوجه مباشرة نحو “عش الدبابير”، حيث تُنهب أموال الشعب تحت غطاء السياسة والصفقات والنفوذ، لأن أخطر ما يهدد الدول ليس صوت الاحتجاج، بل شعور الناس بأن القانون يُطبق بانتقائية، وأن العدالة تُمارس على الضعفاء فقط.
إن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام احتقان اجتماعي خطير، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر على الإهانة والظلم واحتقار معاناتها، وحين يرى المواطن أن المسؤول الذي يفترض أن يحمي المال العام هو أول المستفيدين من الريع والامتيازات، فإن الثقة تتحول إلى غضب، والغضب يتحول مع الوقت إلى تهديد حقيقي للاستقرار الاجتماعي.
المطلوب اليوم ليس خطابات مطمئنة ولا خرجات إعلامية لتبرير الفشل، بل إرادة حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح ملفات الدعم العمومي والصفقات المشبوهة وتضارب المصالح دون خوف أو انتقائية. لأن ثورة القانون وحدها قادرة على حماية الدولة والمجتمع، أما ترك الفساد ينمو بلا رادع فهو لعب خطير بمستقبل الوطن.
لقد تعب المغاربة من سماع الشعارات، بينما الواقع يزداد قسوة. وتعبوا من رؤية الثروة تتكدس في أيدي قلة محظوظة، فيما الأغلبية تُدفع نحو الهشاشة واليأس. فالوطن ليس ضيعة خاصة، والمال العام ليس غنيمة، ومن يحكم باسم الشعب يجب أن يخضع لإرادة القانون لا لمنطق النفوذ والمصالح.
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والمرحلة القادمة لن تكون امتحاناً للمواطن البسيط، بل امتحاناً لدولة تريد أن تثبت أن العدالة فوق الجميع، وأن المغرب ليس دولة فراقشية بل دولة مؤسسات وقانون.





