تبلغ عبثية "الواقع" وتعقيده في عين الفنان حدا يجعل لوحاته تبدو حلمية، أو بالأحرى كابوسية، فتبدو معنية بما لم يستطع أو لم يرد الفنان قوله وما قدمه أمامنا. وهذا يختلف عن بقية أعماله السابقة اختلافا شديدا، إذ كان ما عرضه يردد صدى ما يقوله أمام ذاته وفي العلن وبوضوح: وحشية الانسان سواء إن كان ضحية أم جلادا.
ثمة تجربة واحدة قد يسعى اليها المشاهد ليكتشف جليا الترابط البديع في السياق الفني عند سبهان وهي تشاهد زهرة رسمها الفنان مهداة إلى أحد شخوصه الكابوسية، وذلك بغض النظر إذا كانت منزوعة عن وعائها أو مزروعة فيه: انه التمام في الانسجام الاسلوبي والمعنوي. وربما يولد سؤال غريب في قلب الناظر إلى هذه اللوحة التي تجسد مشهدا يضم الزهرة والمخلوق: هل سيتنشق المخلوق رائحة/عطر هذه الهدية ام سيلتهمها؟ وعلى الأرجح انه سيبتلعها ابتلاعا لأن خاصية "الشراهة" في لوحات الفنان السابقة او على الأقل في العديد منها، حاضرة وبقوة.

وإذا أصر المشاهد على رؤيتها كدوار شمس، فسيجدها شبيهة إلى حد كبير بتلك التي رسمتها الفنانة دوروثيا تانينغ في عملها الشهير، "موسيقى ليلية قصيرة"، ويمكن اعتبارها مثلا واضحا على كيفية اختزان الذاكرة البشرية للصدمات. اللوحة تظهر فيها فتاتان مرعوبتان داخل مكان مظلم من فندق أو منزل، تواجهان زهرة دوار شمس عملاقة لها ملامح مريبة.
النباتات اللاحمة
زهرة دوروثيا تانينغ تشبه زهرة سبهان آدم من ناحية أنها زهرة داخلية وغريبة. لكن زهور هذا الأخير تشبه في معظمها النباتات اللاحمة التي تصطاد الحشرات وتهضمها، إذ تنغلق فجأة عند لمس الشعيرات المحفزة.
وتأخذنا بتيلات/ شعيرات الأزهار المرتجفة تلك إلى ما عرضه الفنان سابقا في معرض أطلق عليه عنوان "روبنزيل"، وهو اسم متلازمة نفسية/عصبية تدفع المريض إلى أن يأكل شعره... شعره أو بتيلات أزهاره التي أصبحت مرآة لأعماق النفس البشرية وأزماتها.
نعود من ذاك المعرض السابق سريعا إلى أزهار"حديقة سبهان آدم السرية"، التي لم يضع الفنان لها الفنان أي عنوان ربما ليتيسر لنا قراءتها وتأويلها على النحو الذي نراه ممكنا. تبدو هذه الأزهار تجمع فيه هيئتها ما بين دوار الشمس والنباتات/الازهار اللاحمة التي تعتمد في تغذيتها على جذب الحشرات واصطيادها ثم هضمها.

للوهلة الأولى، تبدو أزهاره ذات ألوان جذابة: أصفر لامع، وأخضر كثيف، أو أحمر عميق، مما يمنح انطباعا أوليا بجمال طبيعي. لكن بعد التأمل فيها، فإن ما وجدناه جميلا يبدأ بالتحول ليترك مكانه لجمال مقلق ومهدد، كأنه طعم. ولهذا نقول إن حديقة سبهان آدم تشبه تلك الحدائق التي تظهر في القصص الخرافية كما وردت في نسخها الأصلية. وهكذا تمثل زهرته طاقة اندفاعية وعاطفية قد تكون خطيرة، إذ تبدو كائنا وحشيا وقلقا، لأنها ببساطة تبدو جائعة.









