حارس الحقيقة أم خصم السلطة؟
ثمة خلط شائع بين وظيفة الصحفي ووظيفة السياسي. الأول مهني تحكمه قواعد بناء المهنة وديمومتها، فيما الثاني مغامر أقرب إلى “الميكافيلية”. الأول أدواته المهنية النقد الموضوعي، بينما الثاني عنوانه الخصومة الأيديولوجية، وما فيها من “عمى البصر والبصيرة”.
كثير من الناس يريدون من الصحفي السوري، أن يتحول إلى هجاء دائم، حتى يخال للمرء أن صحفا كـ “Le Monde” الفرنسية، أو “The Times” البريطانية، تحولت لقصائد الفرزدق تجاه حكوماتها، وتخاصم السلطة صباح مساء، بصرف النظر عن الموضوع والسياق والمعطيات، وباتت منابر هجاء سياسي دائم، وأن المؤتمرات الصحفية انحدرت إلى السجالات والانفعالات، وبات معيار المهنية بميزان القسوة في الكلام لا مقدار الدقة في المعلومة.
الصحافة، في أصلها، مهنة الوقائع. وهي ابنة الحقيقة حين تتوافر معطياتها، لا ابنة الهوى حين تحتدم الانفعالات. ليست وظيفتها مناطحة السلطة، ولا توفير غطاء تجميلي لقراراتها. هي ليست مع المعارضة كهوية جاهزة، ولا مع الحكومة كولاء مسبق، بل مع ما يمكن إثباته وتوثيقه ووضعه أمام الرأي العام بوضوح ونزاهة ومسؤولية.

الخط الفاصل ليس التأييد أو الاعتراض في ذاتهما، بل مقدار ما يسندهما من حقائق. الصحفي ليس “مطبلا” لأنه أيد إجراء عاما ثبتت ضرورته وجدواه، ولا يصبح حرا بالضرورة، لأنه عارض قرارا ما بصوت عال. الحرية هنا ليست في ارتفاع النبرة، بل في استقلال الميزان. والمهنية ليست في العناد، بل في القدرة على الانحياز للوقائع حتى حين تخالف المزاج العام أو الرغبة السائدة.
الأمثلة حاضرة حولنا، فما شهدناه قبل أيام في احتفالات السوريين بذكرى انتصار الثورة، حين نقل الإعلاميون، على امتداد البلاد، مشاعر الناس وفرحهم ودموعهم وذكرياتهم وحكاياتهم مع الثورة التي دفعوا في سبيلها ما هو أغلى من الشعارات. لم يكن ذلك ترويجاً، بل كان نقلاً لحدث حي ووجدان عام، وهو جزء أصيل من وظيفة الصحافة ويومياتها.
وحين انتقلت العدسات والأقلام نفسها إلى أوجاع المخيمات الغارقة في إدلب، وإلى إضرابات المعلمين، وإلى ارتفاع الأسعار مع بداية شهر رمضان، وإلى التجمعات الرافضة لسياسات رفع أسعار الطاقة، وإلى مشاهد الازدحام على جرار الغاز المنزلي في القرى والمدن، هي ذات الصحافة، لم تبدل جلدها ولم تغادر موقعها. كانت تمارس الدور ذاته، بالمعيار ذاته، انطلاقا من الفكرة نفسها: أن الحقيقة لا تتجزأ بحسب الجهة التي تخدمها، وأن وظيفة الصحفي ليست اختيار ما يرضي، بل نقل ما يحدث وقراءة ما وراءه.
الصحفي معارض للحكومة وصف مضلل في جوهره، لأنه يمنحه دوراً سياسياً ليس له. الصحفي ليس معارضاً للحكومة من حيث هي حكومة، لكنه معارض لتقصيرها، ولفشلها، ولضبابية قراراتها، وللفجوات بين خطابها وواقع الناس. وهو، قبل كثيرين أحيانا، من يكشف العثرات، ويتتبع أثر القرار، ويفتح الملف، ويعيد ربط الوقائع بسياقاتها. جوهر مهنته، حارس للحقيقة، لا موظف في الخصومة، ولا أجير في التبرير.
الفارق بين الصحفي وبين المدون أو المؤثر، أن الأخير قد يتبنى رواية مبتورة من سياقها، أو يلتقط مشهداً منفصلا، ثم يقدمه لجمهوره بوصفه القصة كلها.
الصحفي لا يملك هذا الترف، لأن المجتمع لا يفترض فيه مجرد الحضور، بل الدقة. والقانون لا يحاسبه على النيات، بل على ما نشره، وكيف نشره، وعلى ما إذا كان قد تحرى ودقق ووازن وأعطى كل واقعة سياقها وشهودها ودرجة موثوقيتها.
إن الخلل الحقيقي لا يبدأ فقط عندما يخطئ الصحفي، بل عندما يختلط على الجمهور، وعلى بعض أصحاب القرار أيضا، معنى هذا الدور وحدوده. فليس مطلوبا من الصحفي أن يحمل عصا المعارضة في كل ملف، كما ليس مطلوبا منه أن يرتدي عباءة الدفاع عن الحكومة في كل شأن.
الصحفي مستقل بدوره ووظيفته، والهامش الممنوح له مجتمعيا، يحمله مسؤولية ذاتية.
عليه أن يرى ويسمع جيدا، ويسأل في اللحظة المناسبة، ثم يضع ما يصل إليه أمام الناس بلا التواء، بلا انحياز. شروط الموضوعية حاضرة دوما.
النقد المهني هو المعيار. لا أحد يرحم الصحفي إذا تبنى قضية مضللة، واقعة بلا دليل، ملفا بلا أرقام، شهودا بلا موثوقية وتدقيق. عليه تتبع الأثر والنتائج.
الصحافة تذهب لمساءلة القرار العام على أساس ما ينتجه في حياة الناس. أما الخصومة السياسية فتبدأ من موقف مسبق، ثم تمضي للبحث عن أدلة تؤيده، أو تكتفي بإعادة تدوير الانفعال في صياغة إعلامية صاخبة لا تضيف إلى المعرفة شيئاً.
الصحافة الحقيقية، جهد يومي شاق في جمع الوقائع وتمحيصها وربطها بسياقاتها، وتقديمها إلى الناس من دون زيادة مقصودة ولا نقصان متعمد. دع القارئ يقرر. أنت مقدم خدمة إعلامية متكاملة ومتوازنة، لا قداحاً ولا مداحاً. الخدمة الجيدة تشكر عليها، والرديئة تعني السقوط.
الحالة السورية صعبة، تريد فرز الناس، وصولا للصحفي، بين مؤيد ومعارض. ثمة استقطاب ثقيل ومرهق، لكن على الصحفي الحرص على عدم الوقوع في فخه.
بلد يخرج للتو من تركة عهد بائد، وما خلفه من انقسام مجتمعي.
الصحفي يعرف أين يقف، ولماذا يكتب، وكيف يوازن بين حق الدولة في شرح سياساتها، وحق المجتمع في مساءلة هذه السياسات من دون تخوين أو ابتزاز أو ضجيج مجاني.
الصحفي، في نهاية المطاف، ليس خصماً للدولة، ولا وكيلا عنها. إنه شاهدها المهني أمام الناس، وشاهد الناس المهني أمامها.
حارس الحقيقة، لا مناطح السلطة.


