“حاملات الطائرات” الإيرانية والسيطرة على هرمز
“حاملات طائرات لا تغادر مواقعها” هكذا تصف طهران شبكة جزرها في مضيق هرمز؛ منظومة عسكرية متكاملة تضم رادارات ومنصات صاروخية ومدارج وقواعد للزوارق السريعة والغواصات، متمركزة في ممر بحري ضيق لا يتجاوز عشرات الكيلومترات، تعبر عبره قرابة خُمس تجارة النفط العالمية.
وتبرز أهمية هذه الجزر الإيرانية في الوقت الذي أثبتت فيه طهران أنها قادرة على عرقلة الإبحار عبر مضيق هرمز، فيما تحشد الولايات المتحدة قوات إضافية في الشرق الأوسط وسط تكهنات لغزو بري أميركي يبدأ بجزيرة خرج ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة لإيران.
ويتركز الثقل العملياتي لطهران في المضيق في سبع جزر رئيسية تتموضع على خطوط الملاحة أو بمحاذاتها.
تأتي جزيرة قشم، أكبر جزيرة في الخليج في الصدارة، فهي تمثل قاعدة متقدمة ترتبط عمليا بمدينة بندر عباس، ما يمنحها دورا محوريا في الدعم اللوجستي والعملياتي. وتضم الجزيرة بنية عسكرية تشمل مواقع لتخزين الصواريخ، ومنشآت للمراقبة، وقواعد للزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، ما يجعلها أقرب إلى “مركز عمليات” داخل المضيق.
وفي ظل التصعيد العسكري، برزت قشم كهدف مباشر للضربات الأميركية والإسرائيلية، إذ أشارت تقارير إلى استهداف منشآت ومرافئ على الجزيرة.
وتشير تقديرات في مراكز بحثية، إلى أن أي عملية لإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز ستتطلب، إلى جانب الانتشار البحري، تحييد للقدرات الصاروخية والمنصات الساحلية التي تعتمد عليها إيران، بما في ذلك تلك المنتشرة على الجزر الرئيسية مثل قشم.
إلى جانبها، تلعب جزيرة هرمز دور “العين الأمامية”. موقعها عند مدخل المضيق بين الخليج وبحر عُمان، وعلى مقربة من الساحل الإيراني وبندر عباس يمنحها قدرة مباشرة على مراقبة السفن الداخلة والخارجة، خصوصا مع إمكانية نشر الرادارات وأنظمة الاستشعار على تضاريسها المرتفعة نسبيا.
أما جزيرة لارك فتؤدي دورا مهما في المنظومة الإيرانية للسيطرة على الممر. وتستخدم إيران الجزيرة لمراقبة حركة السفن، مستفيدة من شبكة من المخابئ والزوارق الهجومية القادرة على تهديد سفن الشحن.
وتشير تقارير إلى أن السيطرة على لارك قد تحد من قدرة إيران على مضايقة السفن وزراعة الألغام، وربما تساعد الولايات المتحدة على كسر قبضة طهران على حركة العبور عبر المضيق، لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن الجزيرة شديدة التحصين، ما يجعلها هدفا صعبا لأي عملية عسكرية.
وهناك أيضا جزيرة كيش التي تُستخدم كمنصة دعم بحري إلى جانب دورها الاقتصادي. ورغم أنها لا ترقى إلى أهمية لارك أو قشم من حيث التأثير المباشر على الملاحة، فإنها تمثل عمقا تشغيليا وإسنادا لوجستيا بفضل مطارها ومرافق المنطقة الحرة، خاصة أن مطارها كان من بين الأهداف التي استُهدفت في الأيام الأولى من الحرب.
وإلى جانب الجزر السبع ذات الصلة المباشرة بالمضيق، برزت جزيرة خرك في النقاش العسكري الأخير بوصفها هدفا مختلفا في وظيفته؛ فهي لا تتحكم مباشرة بخطوط العبور في هرمز، لكنها تمثل القلب الاقتصادي لشبكة الطاقة الإيرانية.
تقع خرج في شمال الخليج قرب بوشهر، خارج عنق المضيق نفسه، لكنها تُعد محطة التصدير الرئيسية لنحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، كما أن مرافقها العميقة تسمح بتحميل الناقلات العملاقة، وهو ما جعلها محورا في الجدل الأميركي الأخير حول جدوى استهدافها أو حتى السيطرة عليها عسكريا.
وينطبق الأمر، بدرجة أقل، على جزيرتي لاوان وسيري المرتبطتين بالحقول البحرية ومنشآت التحميل، بما يجعلهما جزءا من العمق البحري والطاقوي الإيراني.
في الجانب الغربي من المضيق، تأخذ المعادلة بعدا سياسيا أكثر تعقيدا.
تقع جزيرة أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى تحت السيطرة الإيرانية، لكنها محل نزاع مع الإمارات منذ عام 1971. هذه الجزر لا تمثل فقط نقاط مراقبة متقدمة قرب خطوط الملاحة، بل أيضا نقاط تماس سياسي قابلة للاشتعال.
تبرز أبو موسى بوصفها الأكثر أهمية بينها، تبلغ مساحة أبو موسى نحو 12 كيلومترا مربعا ويقطنها نحو 2000 شخص، ويمنحها موقعها قدرة على مراقبة السفن وتهديدها، ما يضيف بعدا جيوسياسيا إلى دورها العسكري وقد استهدفت في الأيام الأولى للحرب أيضا.
أما طنب الكبرى والصغرى، فرغم صغرهما، فإن قربهما من الممرات البحرية يمنحهما وزنا يتجاوز حجمهما، عبر إمكانية مراقبة واعتراض السفن.
وبهذا المعنى، لا تقتصر قيمة شبكة الجزر الإيرانية على مراقبة العبور أو تهديده، بل تمتد أيضا إلى حماية البنية التي تمكّن طهران من مواصلة تصدير الطاقة وتمويل قدرتها على الصمود في أي مواجهة طويلة.





