جيل يتعلّم تحت النار: التعليم عن بُعد يهدّد التوازن النفسي ومستقبل التلاميذ
فاتن كحيل
في كلّ حرب، تتقدّم الأولويات الأمنيّة على ما عداها، غير أن التعليم يبقى من أكثر القطاعات تأثّراً، خصوصاً حين يتحوّل من حقٍّ يوميّ طبيعي إلى محاولةٍ مستمرّة للبقاء. ومع فرض التعليم عن بُعد كبديلٍ قسري، يعيش التلاميذ تجربةً مركبة تتداخل فيها التحديات التقنيّة مع الضّغوط النفسيّة، في واقعٍ يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
من الناحية العمليّة، لا يبدو التعليم "الأونلاين" خياراً متكافئاً للجميع. فالفجوة الرقميّة باتت أكثر وضوحاً، إذ يواجه عدد كبير من التلاميذ صعوباتٍ في تأمين اتصالٍ مستقرّ بالأنترنت، أو حتى الحصول على جهازٍ إلكتروني مناسب. وفي حالاتٍ كثيرة، تتشارك العائلة جهازاً واحداً بين أكثر من طالب، ما يفرض قيوداً إضافيّة على متابعة الدروس. تقول إحدى المعلمات في مرحلة التعليم المتوسّط:
"نشرح الدرس مرتين وثلاثاً، ليس لأن التلاميذ لم يفهموا، بل لأنهم لم يتمكنوا من المتابعة أصلاً بسبب انقطاع الانترنت أو الكهرباء."
هذا الواقع لا ينعكس على مستوى التحصيل العلمي فحسب، بل يترك أثراً مباشراً على نفسيّة التلاميذ. فالتعلم في بيئة غير مستقرّة يطغى عليها القلق والخوف، يجعل من التركيز مهمّةً شاقّة. وتوضح مرشدة تربويّة:
"الطفل الذي يسمع أصوات القلق من حوله، أو يعيش توتراً يوميّاً، لا يستطيع أن يتفاعل مع الدرس كما في الظروف الطبيعيّة. هناك استنزاف نفسي واضح حتّى لدى التلاميذ المتفوّقين."
إلى جانب ذلك، يفقد التلاميذ أحد أهم عناصر العمليّة التعليميّة:
التفاعل الاجتماعي. فالعلاقة مع الأصدقاء، والمشاركة الصفيّة، والأنشطة اليوميّة، كلّها عناصر تشكّل جزءاً أساسيّاً من التوازن النفسي للطالب. ومع غياب هذه المساحة، تزداد مشاعر العزلة والانكفاء. يقول أحد طلاب المرحلة الثانوية:
"لم أعد أشعر أنّني في مدرسة. كلّ شيء أصبح على الشاشة، وحتى عندما أحضر الدرس، لا أشعر بالحماسة أو الانتماء كما كان سابقاً. الخوف الأكبر على مستقبلنا."
ويبرز في هذا السياق تراجع ملحوظ في الدافعيّة لدى عددٍ من التلاميذ، بحيث لم تعد الدراسة أولويةً لدى البعض في ظلّ واقعٍ يفرض تحدياتٍ أكبر من قدرتهم على الاستيعاب.
ويشير أحد الأساتذة إلى أن جزءاً من الطلاب بدأ يتعامل مع التعليم كعبءٍ إضافي، وليس كفرصة، خصوصاً عندما يشعر أن مستقبله غير واضح."
في المقابل، يحاول الأهل والمعلّمون احتواء هذا التراجع بوسائلٍ مختلفة تراوح بين المتابعة اليوميّة، وتوفير أجواءٍ دراسيّة هادئة، وصولاً إلى الدعم النفسي المباشر. تقول إحدى الأمهات:
"نحاول أن نخلق روتيناً لأولادنا رغم كل شيء، لكن في كثيرٍ من الأحيان نشعر أنّنا غير قادرين على تعويض دور المدرسة بالكامل، لكن الحقيقة أن الخوف يسبق أي محاولة للتركيز أو الدراسة."
ويزيد من حدّة هذه الأزمة ما يُعرف بـ"الإجهاد الرقمي"، إذ يقضي التلاميذ ساعات طوال أمام الشاشات، في بيئةٍ تفتقر إلى التوازن بين الدراسة والراحة. كما أن غياب الروتين المدرسي الواضح يؤدي إلى اضطرابٍ في النوم، وتراجعٍ في القدرة على التنظيم، ما ينعكس سلباً على الأداء العام.
وفي مقارنةٍ سريعة مع ما قبل الحرب، يتضح حجم التحول. فالتلميذ الذي كان يبدأ يومه بنشاط، ويتفاعل مع محيطه المدرسي، بات اليوم يعيش تجربةً فردية، يغيب عنها الحافز والانتماء. المدرسة لم تعد مكاناً، بل شاشة، والعلاقة مع التعليم لم تعد تجربة، بل واجب ثقيل.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن محدودية دور المؤسسات. فغياب خطةٍ شاملة لمعالجة الفجوة الرقمية، وضعف الدعم النفسي المنظم، يجعلان من الجهود الفردية للأهل والمعلمين محاولاتٍ غير كافية. وعلى رغم مبادرات بعض المدارس والأساتذة، إلاّ أن غياب رؤية واضحة يزيد من تعقيد الأزمة.
وفي هذا الإطار، يحذّر تربويون من تداعياتٍ طويلة المدى، أبرزها تراجع التراكم المعرفي، وضعف المهارات الأساسيّة، إضافةً إلى آثارٍ نفسية قد تستمرّ حتى بعد انتهاء الأزمة.
فالتعليم لا يُقاس بالمحتوى فحسب، بل بالبيئة التي يُكتسب فيها، وهذه البيئة اليوم مهدّدة بشكلٍ غير مسبوق.
بين الحفاظ على استمراريّة التعليم، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار النفسي، يقف التلاميذ في منطقة هشّة، يدفعون ثمن واقعٍ لم يختروه. وفيما يستمرّ التعلّم عبر الشاشات كحلٍّ موقت، يبقى السؤال الأعمق: هل ننجح في إنقاذ العام الدراسي، أم نخسر جيلاً يتعلّم في ظلّ الخوف، من دون أن يمتلك أدوات المواجهة للمستقبل؟





