في ملف أحداث سبتة، لا تزال المأساة مفتوحة على أسئلة مؤلمة، ليس فقط بشأن القاصرين والمهاجرين الأحياء، وإنما أيضًا بشأن الجثامين التي ما تزال عالقة خلف الحدود، بينما تنتظر أسرها معرفة مصير أبنائها واستعادة رفاتهم.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المطالب بإعادة القاصرين والأحياء إلى المغرب، تجد عائلات أخرى نفسها أمام معاناة مختلفة، بعدما فقدت أبناءها في ظروف مأساوية، ولا تزال تنتظر أن تعود جثامينهم إلى أرض الوطن.
وتتحدث المعطيات المتداولة عن وجود ما يقارب مائة جثمان، وإن كان العدد النهائي غير مؤكد، فيما لا تزال هوية عدد كبير منها مجهولة. وهو ما يطرح سؤالًا واضحًا: لماذا لم يتم، إلى حدود اليوم، وضع آلية فعالة وسريعة لتحديد هويات هؤلاء الموتى؟
وتشير السلطات الإسبانية إلى أن من بين العقبات التي تعترض عملية التعرف على الجثامين صعوبة وصول عينات الحمض النووي من الجانب المغربي، وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: لماذا لا تبادر الحكومة المغربية إلى إنشاء آلية رسمية لجمع عينات الحمض النووي من أسر المفقودين، وإرسالها إلى الجانب الإسباني قصد مطابقتها مع العينات الموجودة لديه؟
فالموضوع ليس جديدًا، وملف المفقودين والجثامين ظل مطروحًا منذ سنوات. ولذلك فإن الاكتفاء بالقول إن جمع عدد كبير من عينات الحمض النووي أمر صعب لا يبدو كافيًا أمام أسر تنتظر منذ مدة طويلة معرفة مصير أبنائها.
وإذا كانت السلطات الإسبانية لا تستطيع تسليم جثامين مجهولة الهوية، فإن المسؤولية لا تقع عليها وحدها. فالمغرب معني أيضًا بهذا الملف، ومن واجبه أن يسهل عملية التعرف على الضحايا، وأن يتواصل مع الأسر، ويجمع عيناتها، ويرسلها عبر قناة رسمية إلى الجهات المختصة في الجانب الإسباني.
والأكثر إيلامًا أن القضية لا تتعلق فقط بجثامين مجهولة، بل أثيرت أيضًا حالة شخص تم التعرف على هويته، يبلغ من العمر 21 سنة، حيث تم نقل جثمانه يوم 20 غشت إلى الحدود، قبل أن لا يُسمح بدخوله إلى المغرب.
هذه الواقعة تفتح الباب أمام سؤال مؤلم: إذا كان الجثمان معروف الهوية، وكانت أسرته تنتظر عودته، فما الذي يمنع حسم إجراءات نقله ودفنه في وطنه؟
وزير العدل عبد اللطيف وهبي أكد أن المغرب لا يمكن أن يسمح بدخول جثامين دون معالجة الإشكال بشكل شامل، وهو موقف يمكن فهمه من زاوية ضرورة تنظيم العملية والتأكد من الهويات، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لاستمرار الانتظار.
فالمطلوب ليس استقبال جثامين مجهولة بشكل عشوائي، وإنما وضع حل واضح للملف برمته: تحديد الهويات، جمع عينات الحمض النووي من الأسر، مطابقتها مع العينات الموجودة في سبتة، ثم نقل الجثامين التي ثبتت هويتها إلى المغرب.
فخلف كل جثمان قصة إنسان، وخلف كل اسم أسرة تنتظر. هناك أم تريد أن تعرف أين يوجد ابنها، وأب يريد أن يدفن فلذة كبده، وأخ أو أخت ينتظرون لحظة الوداع الأخيرة.
وفي خضم الحديث عن إعادة القاصرين والأحياء، لا ينبغي أن تختفي أصوات هذه الأسر. نعم، من حق القاصر أن يعود إلى وطنه، ومن حق المهاجر الحي أن يستعيد حياته بين أهله، لكن من مات أيضًا له حق في العودة، وأسرته لها حق في الوداع والدفن.
المطلوب اليوم ألا يتحول الملف إلى صراع حول من يتحمل المسؤولية، بينما تبقى الجثامين عالقة والسنوات تمر. المطلوب أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها، وأن يتم إنشاء آلية مغربية واضحة لجمع العينات والتنسيق مع الجانب الإسباني، وأن تُبذل كل الجهود لتحديد هوية الموتى وإعادتهم إلى أسرهم.
الوطن أولى بأحيائه، لكنه أولى بأمواته أيضًا،ولا ينبغي أن تكون الحدود مفتوحة للمطالبات بالأحياء، بينما تبقى مغلقة أمام جثامين أبناء هذا الوطن.





