جسر عبدون… بين اختصار المسافات وتعثُّر الأرواح
•جسر عبدون أصبح رمزًا للألم الإنساني بعد ارتباطه بحوادث الانتحار، رغم كونه معلمًا هامًا في عمان.
•الجسور تعبر عن انتصار الإنسان على الطبيعة، حيث اختصرت المسافات وسهلت التواصل.
•الفيلسوف ميشال سير يميز بين الجسور الصلبة والناعمة، مشددًا على أهمية الروابط الإنسانية والثقافية.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
من أغنيات الجسور في الوجدان العربي إلى «جسور المحطة الأخيرة»استوقفني كثيرًا المقال الجميل الذي كتبه مؤخرا الصديق العزيز الدكتور محمد رسول الطراونة عن جسر عبدون، فقد لمست فيه حسًا أدبيًا وإنسانيًا رفيعًا أعاد للجسور مكانتها في الوجدان العربي. استحضرَ أغنية السيدة فيروز عن جسر اللوزية، وأغنية الفنان العراقي كاظم الغزالي عن جسر المسيّب، حيث كانت الجسور في الأغنية العربية ليست مجرد معابر من حجر وحديد، بل أماكن للقاء الأحبة، ورموزًا للشوق، وشواهد على الوفاء، وجسورًا تعبر فوقها المشاعر قبل أن تعبرها الأقدام او المركبات.وأنا أقرأ مقاله، وجدت نفسي أقف أمام مفارقة مؤلمة. فالجسر الذي احتفى به الشعراء والمغنون بوصفه رمزًا للوصال، أصبح في بعض الأحيان يُذكر لأنه شهد مآسي إنسانية، كما هو حال جسر عبدون في عمّان، الذي ارتبط في الوعي العام بعدد من حوادث ومحاولات الانتحار، حتى بات هذا الجانب المؤلم يطغى أحيانًا على رسالته العمرانية والإنسانية.وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن لمنشأة هندسية شُيّدت لتقريب الناس من بعضهم أن تتحول، في نظر بعض اليائسين، إلى آخر محطة في طريق الحياة؟
الجسور… أعظم انتصار للإنسان على الجغرافيامنذ أن عرف الإنسان البناء، لم يكن الجسر مجرد مشروع هندسي، بل كان إعلانًا عن انتصار الإرادة على العوائق الطبيعية. فالجسور اختصرت المسافات، وربطت المدن، ووصلت بين ضفتي النهر، وعبرت الوديان السحيقة، ومدّت الطريق فوق البحار، وجعلت المستحيل ممكنًا. ولذلك، فإن الجسور لم تُبنَ للموت، وإنما للحياة.وجسر عبدون واحد من هذه الإنجازات؛ فقد أسهم في ربط شرق العاصمة بغربها وشمالها بجنوبها، وخفف من الاختناقات المرورية، وأصبح أحد أبرز معالم عمّان الحديثة، ورمزًا لقدرة الإنسان على تسخير الهندسة لخدمة المجتمع. فالجسر، بطبيعته، لا يدفع أحدًا إلى اليأس، ولا يصنع المأساة، وإنما قد يصبح شاهدًا عليها.
حين تصبح الجسور مرآةً للألم الإنسانيجسر عبدون ليس الوحيد الذي ارتبط بهذه الصورة المؤلمة. ففي أنحاء مختلفة من العالم، عرفت جسور مثل "غولدن غيت" Golden Gate في سان فرانسيسكو، "وبرينس إدوارد"Prince Edward في تورونتو، ومابو Mapo في سيؤول، حوادث مشابهة؛ الأمر الذي دفع الحكومات إلى إقامة شبكات حماية وحواجز وقائية وأضواء حساسة للحركة وأنظمة الذكاء الاصطناعي وزيادة دوريات المراقبة لتقليل حالات الانتحار، بالتوازي مع برامج متقدمة للدعم النفسي والتدخل المبكر.وقد أثبتت التجارب أن الحواجز قد تمنع السقوط من فوق الجسر، لكنها لا تمنع السقوط في اليأس فالمشكلة الحقيقية ليست في المكان، وإنما في الظروف التي أوصلت الإنسان إليه.
ميشال سير… حين تتجاوز الجسور الحجر والحديدولعل أجمل ما كُتب عن الجسور، في رأيي، ما طرحه الفيلسوف الفرنسي ميشال سير في كتابه"فن الجسور". فهو لا ينظر إلى الجسر باعتباره بناءً هندسيًا فحسب، بل باعتباره فلسفة للحياة. ويميز بين نوعين من الجسور:الجسور الصلبة والجسور الناعمة. الجسور الصلبة، وهي تلك التي تُبنى من الحجر والحديد والخرسانة، لتصل بين الأماكن، وتتحدى الطبيعة. أما الجسور الناعمة، فهي التي لا تُرى بالعين، لكنها أكثر تأثيرًا في حياة الإنسان؛ جسور اللغة، والحوار، والثقافة، والمعرفة، والثقة، والمحبة، والرحمة.بل يذهب ميشال سير إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن الإنسان نفسه كائن جسري بطبيعته، خُلق ليصل بين الماضي والمستقبل، وبين العلوم، وبين الثقافات، وبين الإنسان وأخيه الإنسان وما أعمق هذا المعنى….ليست المشكلة في الجسر… بل في غياب الجسور الناعمةإذا نظرنا إلى جسر عبدون من خلال هذه الفلسفة، فإن السؤال يتغير تمامًا. فلم يعد السؤال: كيف نحمي الإنسان من السقوط عن الجسر؟ بل أصبح:كيف نبني حوله الجسور الناعمة التي تمنعه من السقوط في اليأس قبل أن يصل إلى الجسر؟فالحاجز المعدني قد يحمي الجسد، لكنه لا يعالج القلب المنكسر.أما الجسور الناعمة فهي التي تصنع الفرق الحقيقي؛ أسرة تمنح أبناءها الدفء، وصديق يصغي بإخلاص، ومدرسة تحتضن طلابها، وجامعة تبني الشخصية قبل الشهادة، ومؤسسة تحترم موظفيها، وطبيب نفسي يصل إلى من يحتاج إليه بلا خوف أو وصمة، وفرصة عمل تحفظ الكرامة، وعدالة اجتماعية وسيادة للقانون تعيد للإنسان ثقته بنفسه وبمجتمعه.إن أخطر الوديان ليست تلك التي حفرتها الطبيعة، وإنما تلك التي قد تتسع داخل النفس الإنسانية عندما يغيب الأمل، ويشتد الشعور بالوحدة، ويضعف الإحساس بأن هناك من يسمع أو يفهم أو يمد يد العون.
من بناء الجسور إلى بناء الإنسانإن الحديث عن جسر عبدون لا ينبغي أن ينتهي عند الدعوة إلى رفع الحواجز أو زيادة المراقبة، مهما كانت أهمية هذه الإجراءات، بل يجب أن يكون بداية لحوار وطني أوسع حول الصحة النفسية، والوقاية من الانتحار، وتعزيز التماسك الأسري، وترسيخ ثقافة التكافل، وتكافؤ الفرص وعدالتها، وإعادة بناء الثقة بين الإنسان ومجتمعه ومؤسساته وبين المواطنيين وحكوماتهم.ولذلك، فإن مسؤولية بناء الجسور الصلبة تقع على عاتق المهندسين، أما بناء الجسور الناعمة فهو مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، وعلماء الدعوة، والمثقفين، وصناع القرار، وكل من يؤمن بأن الإنسان هو أغلى ما في الأوطان.
→جسر عبدون أصبح رمزًا للألم الإنساني بعد ارتباطه بحوادث الانتحار، رغم كونه معلمًا هامًا في عمان.
→الجسور تعبر عن انتصار الإنسان على الطبيعة، حيث اختصرت المسافات وسهلت التواصل.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





