هي محاولة للجمع بين بلاغتين، بلاغة التاريخ الأدبي، في العصور الوسطى، وبلاغة دراما الجريمة المعاصرة، مع صوغ أكثر الأسئلة إلحاحا، وجوديا وميتافيزيقا، ذات علاقة حادة بالفن والإيمان والخلاص.
ما يخلقه الفيلم منذ المشهد الأول هو التوتر الكاسح بين رهانين، رهان طموحه الفني ورهان التماسك السردي عبر التفكيك، إذ أن البنية السردية مزدوجة، في تواز وتقاطع عبر التنقل الجريء بين إيطاليا القرن الرابع عشر، ونيويورك المعاصرة.
في عالم الجريمة
البداية الفعلية للفيلم تزهر مع ظهور مخطوطة "الكوميديا الإلهية" داخل الفاتيكان، قبل أن تجد طريقها إلى عالم الجريمة المنظمة في نيويورك، حيث يتم الاحتكام إلى الكاتب توشيز للتحقق من أثر أصالتها كعمل مكتوب بيد دانتي، ولا يقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما يقع الكاتب المحقق في إسار فتنتها وسحريتها، ولا يتردد في المبادرة إلى سرقتها والإنزلاق تدريجيا، إلى قرارة جحيم الجريمة وظلمات العنف الجارف.

بالتوازي، يعرض الفيلم حياة دانتي المأسوية، احتدام صراعاته الفكرية، وتشعب سفره الروحي في غضون عمله الشاق على الكوميديا الخالدة، وفي المسارات المتوازية هذه، يشيّد الفيلم محكيه وفق هندسة الكوميديا نفسها، عبورا تراجيديا للجحيم والمطهر والفردوس، عبر تقسيم دانتي الشهير في عمله الشعري، فنلفي ظلالا لذلك من خلال سقوط توشيز في الجحيم الأخلاقية أولا، وصراعه الصاخب في المطهر الداخلي ثانيا، ثم محاولة الخلاص عبر الحب والفن المعادل للفردوس ثالثا.
لا يقدم الفيلم هذا التقسيم عبر ترتيب خطي رتيب، بل يستمزجه على نحو مركب، معقد، في مدار زمني، يعيد الفكرة الدامغة، بأن التجربة الإنسانية بملء اختلافها، تتكرر عبر الحقب التاريخية بشكل لا نهائي، وعلى نحو كاريكاتوري.
بهذا الطموح الفني والفكري، لمغامرة الفيلم في تعدده، ذي النزوع الراديكالي في التركيب، يربك المخرج التلقي العادي والنقدي الرصين معا، وبذا تأرجح المهتمون في تقييمه، بتوسيمه فوضويا، متشعبا، هذيانيا، لكن تشفع له مجازفته التجريبية.

راهن المخرج جوليان شنابل على الأبيض والأسود في معظم التجربة الفيلمية، مع أجزاء ملونة محدودة ومكثفة، ترقى بالفيلم إلى صفوة التشكيل الفني، كلوحات مدهشة.
يقدم الفيلم الماضي بألوان زاهية، تحاكي لوحات عصر النهضة، والحاضر بالأبيض والأسود، تجسيدا للبؤس الروحي، الفساد المستشري، الدستوبيا.

وفي مدار رمزية الشخصيات، يقدم البطل توشيز كعلامة أدبية تتماهى مع حالة دانتي، بين السمو الأخلاقي والابتذال أو الانحطاط بالأحرى، وجولييتا تتناغم مع جيما، في تجسيد لرومانسية الحب أو مثاليته، على مقاس بياتريتشي، فيما شخصية جو بلاك محض علامة قذرة لتحويل الفن إلى سلعة، ثم شخصية لوي معادلا موضوعيا لحالة الفن المعاصر.
استنجد شنابل بممثلين قديرين، في أدوار شرفية، مثل آل باتشينو ومارتن سكورسيزي، وتفرد الممثل جيرارد باتلر بتشخيص دور مغاير عن أصناف تمثيله التجاري سابقا، فضلا عن أداء سابرينا إمباتشاتوري في دور سوزانا بوليتشي، الدكتورة الألمعية.
تفكيك
لعل ما يلفتنا في مجازفة الفيلم، كمخاطرة غير مسبوقة، هو مشهد قتله لشخصيات كبرى، مركزية، دون أن يطلق رصاصة الرحمة على حياة الفيلم ذاته، وبهذا ينزاح صوب خلق فني مختلف، يجافي الخط التنبوئي الجاهز لأفق انتظار التلقي، بانتصاره للامألوف، وانحيازه إلى اللامتوقع، وكل هذا يجعل منه عملا راسخا في بلاغة الصدمة.
هل هو فيلم في التحري وفن التحقيق؟ أم فيلم عصابات وصنف الجريمة؟ أم فيلم عن الأدب وملحمة الشعر بالذات؟ أم فيلم أسود؟ أم فيلم تاريخي، فلسفي، سيرذاتي؟ أم فيلم عن الفن التشكيلي؟ أم هو فيلم عن نيويورك المعاصرة أم إيطاليا القرن الرابع عشر؟
هي محض أسئلة تهاجس المشاهد في إرباك، وهو يتعقب خلاصة ما يريد المخرج قوله. وفي المحصلة يدرك أن كيف يقول الفيلم هذا التماوج الصاخب من الأفكار والصور والرموز، هو الأهم، دون استبعاد السؤال المفارق، السؤال المفارق: هل دانتي الشاعر فعلا في يد المخرج جوليان شنابل؟ أم المخرج جوليان شنابل في يد دانتي؟

بالتفكيك والتشظي، طوّع الفيلم مادة قلقة، خاصة، خرج بها من إطارها التقليدي إلى أفق جمالي مفتوح، غير خطي، إذ علامة دانتي تبزغ كذريعة فلسفية لاستغوار معضلة الفن مقابل السوق، وهل يمكن الفن أن يصمد كقيمة روحية وجمالية، أمام ابتذال السوق واستشراء منطق السلعة، في مناخ عنيف تستأسد فيه المافيا.






