جمهورية المتزلفين: كيف انتصرت ثقافة المديح على الكفاءة؟
ليست أزمة لبنان في نقص الكفاءات، بل في اختلال معيار الوصول إلى السلطة والنفوذ؛ حيث تتقدّم في كثير من الأحيان قدرةُ الإرضاء على حساب القدرة، ويعلو صوت المديح على صوت الإنجاز، وتتحول الثقة العامة من الكفاءة إلى الولاء. لكن التزلف لا يظهر دائمًا في صورته الفجّة. فهناك مديح اجتماعي طبيعي يولد من الاحترام أو الانتماء أو المجاملة العامة، وهذا جزء من نسيج أي مجتمع. غير أن ما نتحدث عنه هنا هو ذلك النمط الآخر: المديح الذي يتحول إلى وظيفة، والولاء الذي يصبح طريقًا مختصرًا إلى القرار، والكلمة التي تُقال لا لأنها صحيحة، بل لأنها مُرضية. على امتداد عقود، نشأت حول الساسة ورجال الدين والزعامات شبكات واسعة من المتزلفين. بعضهم لم يدخل المجال العام من باب فكرة أو مشروع، بل من باب إتقان قراءة المزاج: ماذا يريد صاحب النفوذ أن يسمع؟ ومن أي صيغة يطمئن؟ وكيف يمكن تحويل المبالغة إلى وسيلة عبور؟ في هذا السياق، لم يعد المديح مجرد كلام. صار سلوكًا عامًا: صور تُرفع في المناسبات، بيانات تُكتب بلغة تضخّم صاحب الموقع إلى مرتبة الاستثناء، ومواكبة إعلامية لا تترك مساحة لخطأ أو نقد. ومع الزمن، تتحول هذه الممارسات إلى نمط شبه مستقر في إدارة العلاقة مع السلطة، لا إلى استثناء عابر. وتاريخيًا، لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق ليرى كيف انعكس هذا النمط على الإدارة العامة. ففي مراحل متعددة، خصوصًا بعد الحرب الأهلية، دخلت مؤسسات الدولة موجات من التوظيف لم تكن الكفاءة فيها المعيار الحاسم دائمًا. توسعت الإدارات، وتضخمت الأجهزة، وتراكمت وظائف تعكس أحيانًا شبكة العلاقات أكثر مما تعكس الحاجة الفعلية. وهنا تتجلى المفارقة الأخطر: المتزلف لا يضر الدولة وحدها، بل يضر صاحب القرار نفسه. فحين يُحاط السياسي أو رجل الدين بجوقة من المديح المستمر، يبدأ تدريجيًا بفقدان القدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع. يصبح النقد تهديدًا، والاختلاف مؤامرة، والصمت المصطنع دليل رضا عام. لكن المسؤولية لا تقع على طرف واحد. فبعض أصحاب النفوذ يدركون طبيعة هذه الدوائر، ومع ذلك يُبقونها قريبة منهم؛ أحيانًا لأن المديح يريحهم، وأحيانًا لأنهم يخشون تحوّل هذه الدوائر إلى خصوم، وأحيانًا لأن النظام نفسه قائم على تبادل غير معلن: حماية مقابل ولاء، وموقع مقابل صوت. ومع مرور الوقت، تتكرس ثقافة غير معلنة: ليست الكفاءة هي التي تفتح الأبواب، بل القدرة على البقاء قريبًا من مركز القرار. وهكذا تتحول المؤسسات إلى فضاءات مختلطة، يدخلها الأكفأ أحيانًا، لكن لا يبقى فيها دائمًا الأقدر على قول ما لا يُراد سماعه. ولو قيست الدول بحجم المديح الذي يملأ إعلامها، لبدت بعض البيئات في موقع متقدم. لكن معيار الدول الحقيقي هو صلابة مؤسساتها، وقدرتها على اختيار الأصلح، ووضوح المسافة بين القرار العام والمصلحة الخاصة. إن أخطر ما أنتجته ثقافة التزلف أنها لم تفسد السياسة فقط، بل أعادت تشكيل وعي الأجيال الجديدة: أن النجاح لا يمر بالضرورة عبر الجهد أو الاستحقاق، بل عبر حسن التموضع داخل دوائر النفوذ. وهنا تصبح المعركة أعمق من إصلاح إداري أو مالي؛ إنها معركة معيار: الكفاءة أم القرب؟ الحقيقة أم المديح؟ العمل أم الصورة؟ فالأمم لا تنهض عندما يكثر المصفقون، بل عندما يُعطى الفعل قيمته، ويُسمع صوت العمل بصمت، دون أن يضطر صاحبه إلى إتقان فن القول بقدر ما يتقن فن الإنجاز. وفي النهاية، لا تنهار الدول دفعة واحدة، بل تتآكل حين يصبح التزلف نظامًا غير معلن، ويصبح المديح طريقًا موازيًا للسلطة، ويغدو الصمت عن الحقيقة شرطًا للعبور.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





