"جمال" ما عاد مضطراً للانتظار!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
إلى رحمة الله "جمال زهران".
معرفتي به تعود لسنوات قليلة من خلال التردّد على وسط البلد بمعيّة الصديق "جهاد الرنتيسي".
يطيب لي الجزم بأنّه قد كان يكنّ لي مقداراً لا بأس به من الودّ، أو لعلّ هذا هو الانطباع الذي تولّد لديّ نتيجة إصراره كلّ مرّة على السؤال عن حالي وآخر أعمالي.
درويش؛ هذا هو النعت الذي أورثتنا إيّاه دماثة وتراحميّة اللغة العربيّة بشقيّها الفصحى والعاميّة لنصف به أمثاله.
وقد يصفه شخص متنطّع ما بـ "الشخصيّة الهامشيّة"!
كيف يكون هامشيّاً وهو الذي يكاد أن يكون معلماً ثابتاً في المثلث المقتضب ما بين "كشك الطليعة" و"درج الكلحة" و"مقهى السنترال".. ونحن العابرون عَرَضَاً شخصيّات مركزيّة لمجرد أنّنا زبائن ونمتلك مقداراً قلّ أو كَثُر من الملاءة الماليّة!
أعلم، دون أن أعرف تفاصيل أو أسعى لمعرفتها، أنّه قد كانت له مثلنا جميعاً حياة وانهماكات وحضور ذهن.. قبل أن يستبدّ به المرض وتُزري به السنين.
آخر مرّة قابلته أواخر الشتاء المنصرم أهداني ديوانه الشعريّ حديث الصدور، ولا أدري هل كانت له أعمال أخرى قبل هذا.
عنوان الديوان: "ما تبقى من الروح"، ومن الواضح أنّه منذ ذلك اللقاء وحتى سماعي بنبأ وفاته أمس لم يكن قد تبقّى من الروح الكثير!
الديوان الزهيد ذو المواصفات الطباعيّة الزهيدة ليس من النوع الذي يُكتَب ليُقرَأ بل من النوع الذي يُكتَب من أجل البوح و"الفضفضة" وإقناع النفس بأنّ لها جدوى في الحياة [وإلى حدّ كبير من أجل حفظ ماء الوجه]!
بل إنّ في الديوان قصيدة بعنوان "نصوص ليست للقراءة"!
في هذه القصيدة يستحضر "جمال" أسماء أشخاص رحلوا، أو غادروه، لا أدري، فأنا لا أعرفهم.
يستحضر "زياد بركات" الذي يقول:
"... لنبدأ
من عند ما انتهى إليه كنفاني
ونذكر ما قاله يوسف إدريس بحديث صحفيّ
لم يبق من غسّان سوى يده
بعد الانفجار".
ويستحضر "عماد ملحم"، الذي قبل أن يودّعه يجادله دقائق حول "اليسار الثوريّ"، هذا الذي "ذهبتْ أيامه أدراج الريح"، متحسّراً على عشر سنوات من "العمر الضائع" كتبها على جدران الأقبية والزنازين، ويا ليته أودعها ثغر حبيبة روحه، ويا ليته هجع على صدرها طويلاً.
ويستحضر "خالد سلام"، هذا الذي:
"يضحك ساخراً ببراءة
من القوالب الجامدة
جوزف ستالين سفّاح
ولينين
كان أكثر ديمقراطيّةً منه
والماركسيّة منهجٌ للتحليل
واسأله ما العمل؟
فيجيب: تخلّيت عنها
وما عيب الليبراليّة
والمنهج التكامليّ"
ويستحضر "سعيد" بائع الهريسة الذي فتح حساباً لجيوبهم الخاوية.
ويستحضر "ناجح" ـ مَن هو ناجح؟ ـ هذا الذي:
"يدعوني للمقهى
ونتذكّر طرقات دمشق
ويذكر لنا مقهى الهافانا
الدمشقيّات، وشهواتي العارمة
وسنوات عمر قضاها
تحت وقع النظريّات".
وقبلها، في قصيدة بعنوان "أقدار"، يستحضر "جمال" أباه، ذلك "العجوز الطيب" الذي اختلسه الموت أولاً، والذي "كان يداعب ساحل يافا
برقة البراءة الحالمة.. ويحفر الأرض بساعديه".
ويستحضر أخاه الذي ساقه الموت إلى "غربة الحياة.. وموتاً عبثاً بلا ثمن أو أُنْس".
ويستحضر أمّه "التي كستْ أيام العائلة فرحاً وحبوراً" قبل أن يسرقها منه الموت "محض صدفة مع النهايات".
ويستحضر شقيقتيه "يسرى" و"سلوى" اللتين رحلتا، بغتة، وبلا رحمة، إلى العالم الآخر.
ويستحضر "أحمد أمير".. و"توماس الحمد".. و"إياد حلّوش".. و"سيد بنات".
ويستحضر "كثيرون، اعتذر خجلاً من الذاكرة
زرعتها أوطان النسيان
سُرقوا من الحياة
لأضحى وحيداً
بلا أصدقاء
في انتظار رهبة الموت"!
والذي يستفزُّ في هذا الديوان أنّ الشعر الذي يكتبه "جمال زهران" لا يقلّ سويّةً عن كتابات شعراء يحتكرون الساحة حاليّاً، وتضجّ بهم الأسماع والأبصار، ويوصفون بالكبار.. أو أنّ شعر كثير من الشعراء الكبار ليس بأفضل سويّةً من شعر "جمال زهران" ـ اختر العبارة التي تروق لك!
ولو أنّ "جمال" كان شخصاً يُتزلَّفُ إليه، صاحب مال أو جاه أو سلطان يمكن للمرء أن يخرج منه بـ "سبّوبة" أو "تنفيعة" أو "تلحيسة أصابع"، أو صاحب حظوة لدى السلطة، أو "مشبّك مع الأجهزة"، أو جزءاً من منظومة الانحيازات والاستقطابات والجهويّات والشلليّات و"العصبجيّات".. لرأينا النقّاد الأوغاد ومحرّري الصفحات الثقافيّة والمجلات الأدبيّة الأوغد يتحفوننا بمطوّلات على غرار: المشهديّة في شعر جمال زهران.. المكان في شعر جمال زهران.. وجوه وأسماء في شعر جمال زهران!
ولكن للأسف "جمال زهران" كان "درويشاً" كما قلنا، أو "هامشيّاً"، أو "جرذاً وحيداً" كما يصف هو نفسه في قصيدة بعنوان "لا تتثاءب"، أو حتى "حماراً" كما يعترف في قصيدته بعنوان "كم كنتُ حماراً":
"لا تندهش
يا صديق
فقد علاني الغبار
وصرتُ
غريب الدار
حينما أهدرتُ
أحبّائي وأشيائي الحميمة
أنا الحمار
بهيئة إنسان
مثلاً
الفتاة ممشوقة القامة
وذات العيون الخضراء
تركتني ميّتاً
على الرصيف
وأخرى
رافقتُها
في الهواء الطلق
وتلاشت شبحاً
مع الريح
وإنّني أعترفُ
أنا الحمارُ
هطلت عليّ فرص ذهبيّة
لكنّني
لم أحتفل
بإشراقات الحياة
العمل
الزوجة
المنزل
تهتُ في الدروب إليها
وأضحيتُ بلا أسنان
تحمّلتُ عذابات الروح
وأطلقتُ نهيقاً
فاجراً حزيناً
وعلمتُ متأخراً
أنّهم باعوني
بثمن بخسٍ
لقاء اللاشيء"!
إلى رحمة الله "جمال زهران"، لعلّك تلقى هناك أحبابك، وتلقّى رفاقك، رفاقك الحقيقيّين، وتلقى عمّانك، وتلقى "العبدلي"، هذا الذي "تغيّر كثيراً" كما تغيّر كثير من الرفاق الذي مرّوا به، وأضحوا مثله:
"... كوماً
من قمامة الإهمال
وأنا أعبره
منذ نعومة أظفاري
أفتّش فيه
عن سيدة الحلم
التي القت بي
من السرفيس
على قارعة الطريق".
رحمك الله يا "جمال زهران"، ووهبك سرفيساً "سكارسا" إلى الجنّة!



