جمال الكشكي : تغيير الخيول في خضم الحرب
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في أوقات الحروب، تميل الدول الكبرى إلى الحفاظ على ثبات قياداتها السياسية، والعسكرية، والأمنية، حتى تضمن استقرار القرار، وتماسك المؤسسات.
ويعد تغيير كبار المسؤولين أثناء المعارك أمرا استثنائيا، يلفت الانتباه، ويثير التساؤلات، فالحروب ليست الوقت المناسب لتبديل القادة، أو إعادة تشكيل مراكز القرار، لأنّ أي اضطراب داخلي قد ينعكس على إدارة المواجهة، ونتائجها.
هذا ما يجعل ما يجري في واشنطن ظاهرة تستحق التوقف، فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، شهدت الإدارة الأميركية سلسلة من الاستقالات، والإقالات، والتنقلات المفاجئة، طالت مسؤولين بارزين في مؤسسات الاستخبارات، والدفاع، والعدل، والأمن الداخلي، والعمل، إضافة إلى قيادات عسكرية وأمنية مهمة، وقد جاء ذلك في وقت ما زالت فيه احتمالات التصعيد قائمة، رغم توقف العمليات العسكرية المباشرة، والمفاوضات الجارية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
أبرز هذه المفاجآت تمثل في استقالة مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي جابارد، والتي تترأس 17 جهازا استخباراتيا، فرغم إعلانها أن القرار جاء بسبب الظروف الصحية الصعبة التي يمر بها زوجها، فإن توقيت الاستقالة أعاد إلى الواجهة التقارير التي تحدثت عن خلافات بينها وبين دوائر نافذة داخل الإدارة، بسبب موقفها المتحفظ تجاه الحرب الحالية.
وعرفت جابارد منذ سنوات بمعارضتها للحروب الخارجية، وسياسات تغيير الأنظمة، وكانت من أشد المنتقدين لغزو العراق، وما ترتب عليه من فوضى، وصعود جماعات متطرفة، وتكاليف بشرية، واقتصادية هائلة.
لكن تصريحاتها الأخيرة أمام الكونجرس أثارت اهتماما واسعا، عندما أكدت أن العمليات العسكرية لم تؤثر في بقاء النظام الإيراني، وأن تجارب تغيير الأنظمة تركت آثارا كارثية على الأمن والاستقرار، وهي مواقف تعكس تيارا مؤثرا داخل المؤسسة الأميركية، يرى أن التدخلات العسكرية الواسعة لم تعد تحقق النتائج التي كانت واشنطن تتوقعها في السابق.
وفي الاتجاه نفسه، كانت استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، في مارس الماضي، اعتراضا على نفس الحرب. فقد اعتبر أن الولايات المتحدة انخرطت في مواجهة لا تخدم مصالحها المباشرة، وعندما يترك مسؤول أمني بهذا المستوى منصبه احتجاجا على سياسة قائمة، فإن ذلك يكشف حجم الخلاف داخل دوائر صنع القرار، بشأن طبيعة الحرب، وأهدافها، كما اتهم إسرائيل بأنها دفعت واشنطن إلى هذه المواجهة، وهو ما أضفى بعدا سياسيا على استقالته، بعد أن تصاعدت في وسائل الإعلام فكرة خطيرة تقول هناك دولة أجنبية صغيرة تقود قوة عظمى، وهو بعد يتنامي ويتصاعد داخل أروقة المؤسسات الأميركية.
ولم تتوقف التغييرات عند هذا الحد، فقد شملت مسؤولين في وزارات الدفاع، والعدل، والعمل، والأمن الداخلي، إلى جانب رحيل قيادات عسكرية بارزة، وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا يحدث كل ذلك أثناء الحرب، وليس قبلها أو بعدها؟
الجواب الأقرب أن واشنطن تشهد صراعا بين رؤيتين مختلفتين، الأولى تدفع نحو استخدام القوة العسكرية بصورة أوسع، وترى أن المواجهة مع إيران جزء من إعادة رسم التوازنات الإقليمية، أما الثانية، فتنطلق من أولوية المصالح الأميركية المباشرة، وترى أن الحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتضعف النفوذ الأميركي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم موجة التغييرات الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الإدارة، أو تعبيرا عن خلافات عميقة حول مسار السياسة الخارجية، فالحرب كشفت تباينات واضحة في تقييم التهديدات، وفي تقدير المكاسب، والخسائر المحتملة.
أما على المستوى الدولي، فإن هذه التطورات تحمل رسائل مهمة، فحين تشهد دولة بحجم الولايات المتحدة هذا القدر من التغيير في قياداتها الأمنية، والعسكرية، خلال أزمة كبرى، فإن ذلك يثير انطباعا بوجود مراجعات، أو انقسامات داخلية، وهو ما تراقبه القوى الدولية المنافسة باهتمام شديد، في ظل حديث متزايد عن تحولات في النظام العالمي، وتراجع الهيمنة الأميركية التقليدية.
في النهاية، فإن تغيير الخيول أثناء الحرب لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما يكشف عن صراع أوسع حول اتجاه السياسة الأميركية، ومستقبل دورها في العالم، ولهذا تبدو الاستقالات، والإقالات الأخيرة، مرآة عاكسة لمرحلة مراجعة عميقة داخل واشنطن، بشأن حدود القوة العسكرية، وجدوى الحروب، وأولويات الولايات المتحدة في عالم يتغير بسرعة، عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، ويبحث عن توازنات جديدة، وما حديث الرئيسين الصيني والروسي في بكين، عن نظام دولي متعدد الأقطاب، سوى إشارة مبكرة إلى ملامح مرحلة بدأت تتشكل أمام أنظار العالم.




