غزة في قلب السيادة، رؤية رئيس الوزراء وتحدي العبور نحو الدولة
اللحظات التاريخية التي تصاغ فيها مصائر الأمم، لا تكفي الكلمات لوصف حجم المسؤولية، بل تصبح الرؤية الاستراتيجية هي الابرز نحو بر الأمان. من بروكسل، وأمام حشد دولي يمثل أكثر من ثمانين دولة ومنظمة، أعاد رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى ترتيب أولويات القضية الفلسطينية واضعاً العالم أمام حقيقة واحدة لا تقبل التأويل وهي أن غزة والضفة وحدة سياسية وجغرافية ووطنية لا تتجزأ، وأن السلطة الوطنية الفلسطينية هي العنوان الوحيد والشرعي لترجمة هذه الوحدة إلى واقع سيادي.
لقد كان الطرح الفلسطيني في بروكسل واضحاً وحازماً فغزة لم تكن يوماً، ولن تكون مجرد ملف إنساني أو إغاثي، بل هي جوهر المشروع الوطني. إن تأكيد رئيس الوزراء على تنفيذ إعلان نيويورك وقرار مجلس الأمن رقم 2803 يمثل إطاراً عملياً لاستعادة الحوكمة الفلسطينية الكاملة في القطاع كما إن استعادة السلطة لمسؤولياتها في غزة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي صمام الأمان لإعادة توحيد المؤسسات الوطنية وقطع الطريق على كل محاولات الانفصال أو التهميش. إن بناء هيكل أمني موحد تحت مظلة الشرعية، وبالتنسيق مع القوى الدولية يعكس نضج الرؤية الفلسطينية التي تؤمن بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بآلة الحرب، بل بسيادة القانون والمؤسسات التي تخضع للمساءلة والشرعية.
يأتي هذا التحرك السياسي في وقت تواجه فيه السلطة والقيادة الفلسطينية حرباً ضروساً تستهدف تقويض وجودها المادي والمعنوي فمن احتجاز أموال المقاصة إلى التضييق على النظام المصرفي يسعى الاحتلال إلى تجفيف منابع الصمود الفلسطيني. ومع ذلك، جاء الرد الوطني من خلال أجندة الإصلاح الشامل التي أنجزت الحكومة منها أكثر من 70% هذا الإنجاز ليس مجرد رقم بل هو رسالة تحد مفادها أننا كفلسطينيين نبني دولتنا من قلب الحصار ونعزز الشفافية والعدالة لنكون جاهزين لانتزاع استقلالنا إن هذا الالتزام بالحكم الرشيد هو الذي يمنح القيادة الفلسطينية القوة الأخلاقية والسياسية لمطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
لقد أثبتت دروس السنوات العجاف كما ذكر رئيس الوزراء أن الحصار لا يمنح أمناً والاحتلال لا ينتج استقراراً. إن الحل السياسي العادل هو المخرج الوحيد وهنا تبرز أهمية اللجنة المختصة التي استحدثت في مكتب رئيس الوزراء لتكون المنصة المركزية للتنسيق الدولي، مما يضمن كفاءة الانتقال وتسليم شؤون غزة للسلطة الفلسطينية بعيداً عن الفوضى.
إننا أمام قيادة تدرك تماماً حجم المؤامرة من توسع استيطاني في الضفة إلى محاولات ضم صامتة، لكنها تواجه ذلك باستراتيجية الاشتباك السياسي والبناء المؤسسي إن دعم هذا التوجه والالتفاف حول القيادة الفلسطينية في هذه المرحلة هو ضرورة وطنية قصوى لحماية المنجزات الوطنية ومنع تصفية القضية.
إن الرؤية التي قدمت في بروكسل، والتي استندت إلى إعلان نيويورك، ليست مجرد طموحات بل هي خطة عمل مدعومة بإرادة وطنية صلبة كما إن الشعب الفلسطيني الذي يواجه أبشع أنواع العدوان يرى في قوة مؤسساته وشرعية قيادته الجسر الذي سيعبر به من نير الاحتلال إلى فضاء الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.



