غزة بين مطر الشتاء وسموم الصيف… صرخة في وجه الصمت البلدي
لم يعد في غزة ما يُقال همسًا… فكل شيء يُقال الآن بالصراخ.
صرخةٌ تخرج من بين الخيام الممزقة، ومن تحت الركام، ومن حناجر أرهقها البرد والجوع، لتصل إلى من بيده القرار في بلدية غزة: كفى إهمالًا… كفى صمتًا… كفى إدارةً للأزمة بعينٍ مغمضة!
لقد خرجنا من فصل الشتاء لا كما يخرج الناس، بل خرجنا منه مبللين حتى العظم، ليس فقط بمياه المطر، بل بمزيجٍ مرير من الصرف الصحي، وكأن السماء حين أمطرت، والأرض حين فاضت، اتفقتا على امتحان صبر هذا الشعب إلى أقصاه.
يا سادة البلدية…
نحن لا نستقبل الصيف كما يستقبله العالم، بنسماتٍ دافئة وأيامٍ مشرقة، بل نستقبله ونحن نحمل معنا إرثًا ثقيلًا من الإهمال المتراكم، وكأن الفصول في غزة لا تتبدل، بل تتراكم مصائبها فوق صدور الناس.
القمامة التي تملأ الشوارع لم تعد مجرد مشهدٍ مزعج، بل تحولت إلى قنابل بيئية موقوتة، مكدسة منذ أعوام، تتخمر تحت شمس الصيف الحارقة، وتطلق سمومها في الهواء الذي نتنفسه، وفي الأرض التي نمشي عليها، وفي حياة أطفالنا الذين لم يعودوا يعرفون معنى اللعب في شارعٍ نظيف.
أما الأمراض… فحدّث ولا حرج.
إنها لا تأتي فرادى، بل زرافاتٍ ووحدانًا، تجد في هذا الواقع بيئةً خصبة للانتشار والاستشراء، وكأننا أمام وباءٍ صامت يتسلل إلى البيوت والخيام دون استئذان، ينهش أجساد المنهكين أصلًا من الحرب والجوع والبرد.
ألم يحن الوقت لتتحركوا؟
ألم تدركوا أن الوقاية اليوم ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة وجودية؟
إننا لا نطلب المستحيل، بل نطالب بأبسط حقوق الحياة:
شوارع نظيفة لا تختنق بالقمامة.
إجراءات عاجلة لمعالجة الصرف الصحي قبل أن يتحول إلى كارثة صحية شاملة.
خطط طوارئ حقيقية لمواجهة الصيف، لا بيانات إنشائية تُكتب وتُنسى.
إن المسؤولية اليوم ليست وظيفة، بل اختبار أخلاقي وتاريخي… فإما أن تكونوا على قدر الألم، أو تتركوا هذا الشعب يواجه مصيره وحده.
في ختام سطور مقالي:
إلى رئيس بلدية غزة، ومن خلفه كل من يعنيه الأمر…
هذه ليست رسالة عابرة، بل شهادة للتاريخ.
فإما أن تُكتبوا في صفحات الشرف، بأنكم وقفتم في وجه الكارثة، أو تُتركوا في هامش العجز، حيث لا يرحم الناس ولا يغفر الزمن.
غزة اليوم لا تحتاج وعودًا…
غزة تحتاج فعلًا.
والشعب الذي صمد تحت القصف، لن يقبل أن يُهزم أمام كومة قمامة أو مستنقع صرف صحي.
فاستفيقوا… قبل أن يكتب الصيف فصله الأكثر قسوة في حكاية المعاناة.





