... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
143081 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3597 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

غياب التنظيم التشريعي لإشكالية تنقيب البيانات في قانون حماية حق المؤلف الأردني

العالم
jo24
2026/04/10 - 09:59 502 مشاهدة

 
تُعدّ تقنية التنقيب في البيانات (Text & Data Mining – TDM) من أبرز مخرجات الثورة الرقمية؛ حيث تقوم على استخدام خوارزميات متقدمة لتحليل كميات ضخمة من النصوص والبيانات بهدف استخراج أنماط ومعارف جديدة، وقد أصبحت هذه التقنية أداة مركزية في مجالات البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل الأسواق، غير أن استخدامها يثير إشكالية قانونية دقيقة في مجال حق المؤلف، تتمثل في التساؤل التالي: هل يُعدّ التنقيب في البيانات انتهاكًا لحقوق المؤلف، أم أنه استخدام مشروع لا يخضع للحماية التقليدية؟

تكمن جذور هذه الإشكالية في طبيعة عملية التنقيب نفسها؛ إذ تتطلب عادةً نسخ المحتوى (كتب، مقالات، قواعد بيانات) بشكل مؤقت أو دائم من أجل تحليله آليًا، وهذا النسخ، من الناحية القانونية، يدخل ضمن الحقوق الحصرية للمؤلف، وعلى رأسها حق الاستنساخ، ومن هنا ينشأ التعارض بين حماية حقوق المؤلف من جهة وبين وتشجيع الابتكار والتقدم العلمي من جهة أخرى.
في هذا السياق، انقسم الفقه القانوني إلى اتجاهين: الأول يرى أن التنقيب في البيانات يشكل اعتداءً على حق المؤلف لأنه ينطوي على نسخ غير مصرح به، حتى وإن كان لغرض تحليلي، أما الاتجاه الثاني فيعتبر أن هذا الاستخدام لا يمسّ بالمصالح الاقتصادية للمؤلف، خاصة إذا لم يتم نشر المحتوى المنسوخ أو استغلاله تجاريًا، بل اقتصر على استخراج معلومات أو أنماط عامة، ومن ثم يجب السماح به كاستثناء مشروع.

أمام هذه الإشكالية، تدخلت عدة تشريعات مقارنة لوضع حلول متوازنة:
ففي فرنسا، تم إدخال استثناء صريح للتنقيب في البيانات ضمن قانون الملكية الفكرية؛ تنفيذًا لتوجيه الاتحاد الأوروبي لعام 2019، حيث سمح المشرع الفرنسي بعمليات التنقيب في البيانات لأغراض البحث العلمي؛ بشرط أن يكون الوصول إلى المصنفات مشروعًا، وألا يتم استخدام النتائج بشكل يضر بحقوق المؤلف، ويعكس هذا التوجه رغبة في دعم الابتكار مع الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية.

أما في بريطانيا، فقد تبنى المشرع نهجًا مشابهًا، حيث أقر استثناءً يسمح بالتنقيب في البيانات لأغراض غير تجارية، خاصة في مجال البحث العلمي، ويُعدّ هذا الاستثناء من أكثر النماذج وضوحًا، إذ يشترط أن يكون المستخدم قد حصل على حق الوصول القانوني إلى المحتوى، وأن يقتصر الاستخدام على التحليل دون إعادة نشر المصنفات.

وفي الولايات المتحدة، لم يتم النص صراحة على التنقيب في البيانات، إلا أن القضاء الأمريكي عالج هذه المسألة من خلال مبدأ "الاستخدام العادي (Fair Use)" المنصوص عليه في Digital Millennium Copyright Act والتشريعات المرتبطة به، وقد اعتبرت المحاكم أن عمليات تحليل البيانات، حتى وإن تضمنت نسخًا، يمكن أن تندرج ضمن الاستخدام العادل إذا كانت ذات طابع تحويلي (Transformative) ولا تؤثر سلبًا على السوق الأصلي للمصنف، ويُعدّ هذا النهج أكثر مرونة، لكنه يعتمد على التقدير القضائي في كل حالة.

في مقابل هذه التجارب المقارنة، يلاحظ أن المشرع الأردني، في قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة رقم 22 لسنة 1992 وتعديلاته، لم يتناول مسألة التنقيب في البيانات بشكل صريح أو ضمني، إذ تخلو نصوص القانون من أي إشارة إلى هذه التقنية، سواء من حيث تنظيمها أو وضع استثناءات لها، ويؤدي هذا الصمت التشريعي إلى خلق فراغ قانوني واضح؛ خاصة في ظل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

ويترتب على هذا الفراغ عدة إشكاليات عملية؛ أولها حالة عدم اليقين القانوني التي تواجه الباحثين والمؤسسات، حيث لا يعلمون ما إذا كانت أنشطتهم مشروعة أم قد تعرضهم للمساءلة، وثانيها احتمال تقييد الابتكار، إذ قد يحجم الباحثون عن استخدام هذه التقنيات خوفًا من الوقوع في مخالفة قانونية، وثالثها صعوبة تطبيق النصوص التقليدية على وقائع رقمية حديثة لم تكن في حسبان المشرع عند وضع القانون.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل تشريعي أردني يعالج هذه المسألة بشكل صريح، ويمكن أن يستند هذا التدخل إلى أحد نموذجين: إما تبني استثناء خاص بالتنقيب في البيانات، على غرار النموذج الأوروبي، مع تحديد شروطه وضوابطه؛ أو توسيع نطاق الاستثناءات الحالية لتشمل الاستخدامات التحليلية ذات الطابع غير التجاري أو العلمي، كما يمكن للمشرع أن يضع نظامًا مزدوجًا يميز بين الاستخدامات البحثية والاستخدامات التجارية، بحيث يمنح الأولى حماية أوسع.

وفي جميع الأحوال، ينبغي أن يحقق هذا التنظيم توازنًا دقيقًا بين حماية حقوق المؤلف من جهة، وتشجيع الابتكار والتقدم العلمي من جهة أخرى، فالإفراط في الحماية قد يؤدي إلى جمود معرفي، في حين أن التوسع غير المنضبط في الاستثناءات قد يضر بالمصالح المشروعة للمؤلفين.

إذًا، إن إشكالية التنقيب في البيانات تمثل تحديًا حقيقيًا للقوانين التقليدية لحق المؤلف، وتكشف عن ضرورة تحديثها لمواكبة التطورات التكنولوجية، وإذا كانت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة قد خطت خطوات متقدمة في هذا المجال، فإن المشرع الأردني لا يزال أمام فرصة مهمة لسد هذا الفراغ التشريعي، بما يحقق التوازن المنشود بين الحماية القانونية والابتكار المعرفي.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤