غياب الحماية القانونية للبيانات الضخمة (Big Data) في قانون حماية حق المؤلف الأردني
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تُعد مسألة حماية قواعد البيانات الضخمة (Big Data) من أبرز الإشكاليات المعاصرة في نطاق قانون حماية حق المؤلف، خصوصًا في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي أفرز أشكالًا جديدة من الإنتاج المعرفي التي لا تنسجم دائمًا مع المفاهيم التقليدية للإبداع، وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في إطار قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة الأردني رقم 22 لسنة 1992 وتعديلاته؛ الذي يشترط لحماية المصنف أن ينطوي على قدر من الإبداع البشري، وهو شرط يثير تساؤلات عميقة عند تطبيقه على قواعد البيانات.
فمن المعلوم أن الحماية في قانون حق المؤلف لا تُمنح للأفكار المجردة أو البيانات الخام، بل لأسلوب التعبير عنها، شريطة أن يكون هذا التعبير نتيجة جهد ذهني بشري يتسم بالأصالة والابتكار، وعليه، فإن النصوص القانونية الأردنية تنطلق من معيار "الإبداع البشري" كشرط جوهري لاكتساب الحماية، غير أن هذا الشرط يصبح محل إشكال عند التعامل مع قواعد البيانات الضخمة، التي غالبًا ما يتم جمعها ومعالجتها بوساطة أنظمة آلية وخوارزميات متقدمة، دون تدخل بشري مباشر في كل عنصر من عناصرها، مما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار هذه القواعد مصنفات محمية رغم غياب الجهد الإبداعي التقليدي؟
في الواقع، قد يبدو للوهلة الأولى أن قواعد البيانات لا تستوفي شرط الإبداع، إذ إن البيانات بحد ذاتها تُعد وقائع أو معلومات خام لا ترقى إلى مستوى المصنفات المحمية، كما أن عملية جمعها قد تكون مؤتمتة بالكامل، ما يُضعف من فكرة وجود جهد بشري واضح، غير أن هذا التصور يتجاهل جانبًا مهمًا، يتمثل في الدور البشري الكامن وراء توجيه هذه العمليات التقنية، فاختيار نوع البيانات، وتحديد مصادرها، وتصميم الخوارزميات التي تقوم بجمعها، كلها عناصر تنطوي على تدخل بشري واعٍ، يعكس قدرًا من التقدير والاختيار.
ومن هنا يمكن القول إن الجهد الإبداعي في قواعد البيانات لا يكمن بالضرورة في إنتاج البيانات، بل في توجيه التقنية نحو جمع بيانات معينة دون غيرها، فمجرد توجيه النظام التقني للعمل وفق معايير محددة، واختيار نطاق البيانات، وآلية تنظيمها، يمثل نشاطًا ذهنيًا يتضمن قدرًا من الابتكار، وهذا التوجيه لا يقل في جوهره عن الإبداع التقليدي، بل قد يكون أكثر تعقيدًا، نظرًا لتداخله مع الجوانب التقنية.
ويجد هذا الطرح سنده في المنطق الذي تبناه المشرع الأردني عند اعتباره البرمجيات من المصنفات المحمية، فقد نص قانون حماية حق المؤلف في المادة (3/ب/8) منه على حماية برامج الحاسوب، رغم أنها في جوهرها ليست سوى أوامر موجهة للحاسوب لتنفيذ مهام معينة، فالمبرمج لا يخلق النتائج بشكل مباشر، بل يضع تعليمات (كود) توجه الآلة لإنتاجها، ومع ذلك، اعتُبر هذا التوجيه إبداعًا يستحق الحماية القانونية، وبالقياس على ذلك، فإن توجيه التقنية لجمع البيانات وتنظيمها ينبغي أن يُعد أيضًا نشاطًا إبداعيًا، خاصة إذا انطوى على قدر من الاختيار والترتيب المنهجي.
وعلى الرغم من هذه الإمكانية التفسيرية، إلا أن المشرع الأردني لم ينص صراحة على حماية قواعد البيانات ضمن المصنفات المشمولة بالحماية، وهو ما يُشكل ثغرة قانونية واضحة، فغياب نص صريح يُنظم هذه المسألة يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، وقد يؤدي إلى حرمان مستثمري البيانات من الحماية القانونية، رغم الجهد الكبير المبذول في إنشائها، كما أن هذا الفراغ التشريعي لا يتماشى مع أهمية البيانات في الاقتصاد الرقمي الحديث، حيث أصبحت تُعد من أهم الأصول غير الملموسة.
وفي المقابل، نجد أن العديد من التشريعات المقارنة قد عالجت هذه الإشكالية بوضوح، ففي الاتحاد الأوروبي، تبنت الدول الأعضاء، ومنها فرنسا، نظامًا مزدوجًا لحماية قواعد البيانات، حيث تُحمى القواعد التي تتسم بالأصالة بموجب حق المؤلف، بينما تُمنح القواعد التي لا تستوفي هذا الشرط حماية خاصة (Sui Generis) إذا انطوت على استثمار جوهري في جمع البيانات أو تنظيمها.
أما في بريطانيا، فقد تم تبني هذا التوجه من خلال تشريعات خاصة تعترف بقواعد البيانات كمصنفات محمية، سواء من حيث الإبداع أو من حيث الجهد الاستثماري، بينما في الولايات المتحدة، يُشترط حد أدنى من الإبداع في اختيار أو ترتيب البيانات لمنح الحماية، كما ظهر في قضية Feist Publications v، Rural Telephone Service، التي أكدت أن مجرد الجهد لا يكفي؛ إذ يجب وجود أصالة في التنظيم أو العرض.
إذًا، يمكن القول إن الإشكالية المتعلقة بحماية قواعد البيانات في قانون حق المؤلف لا تكمن في غياب الإبداع، بل في قصور المفهوم التقليدي لهذا الإبداع عن استيعاب الأشكال الحديثة للإنتاج المعرفي، فالإبداع اليوم لم يعد يقتصر على التعبير المباشر، بل يشمل أيضًا توجيه التقنية وتطويعها لتحقيق نتائج معينة، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل تشريعي يُواكب هذه التطورات، من خلال إدراج قواعد البيانات ضمن المصنفات المحمية صراحة، أو استحداث نظام قانوني خاص بها، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار في البيئة الرقمية المعاصرة.
غياب الحماية القانونية للبيانات الضخمة (Big Data) في قانون حماية حق المؤلف الأردني
زيد نائل العدوان
تُعد مسألة حماية قواعد البيانات الضخمة (Big Data) من أبرز الإشكاليات المعاصرة في نطاق قانون حماية حق المؤلف، خصوصًا في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي أفرز أشكالًا جديدة من الإنتاج المعرفي التي لا تنسجم دائمًا مع المفاهيم التقليدية للإبداع، وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في إطار قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة الأردني رقم 22 لسنة 1992 وتعديلاته؛ الذي يشترط لحماية المصنف أن ينطوي على قدر من الإبداع البشري، وهو شرط يثير تساؤلات عميقة عند تطبيقه على قواعد البيانات.
فمن المعلوم أن الحماية في قانون حق المؤلف لا تُمنح للأفكار المجردة أو البيانات الخام، بل لأسلوب التعبير عنها، شريطة أن يكون هذا التعبير نتيجة جهد ذهني بشري يتسم بالأصالة والابتكار، وعليه، فإن النصوص القانونية الأردنية تنطلق من معيار "الإبداع البشري" كشرط جوهري لاكتساب الحماية، غير أن هذا الشرط يصبح محل إشكال عند التعامل مع قواعد البيانات الضخمة، التي غالبًا ما يتم جمعها ومعالجتها بوساطة أنظمة آلية وخوارزميات متقدمة، دون تدخل بشري مباشر في كل عنصر من عناصرها، مما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار هذه القواعد مصنفات محمية رغم غياب الجهد الإبداعي التقليدي؟
في الواقع، قد يبدو للوهلة الأولى أن قواعد البيانات لا تستوفي شرط الإبداع، إذ إن البيانات بحد ذاتها تُعد وقائع أو معلومات خام لا ترقى إلى مستوى المصنفات المحمية، كما أن عملية جمعها قد تكون مؤتمتة بالكامل، ما يُضعف من فكرة وجود جهد بشري واضح، غير أن هذا التصور يتجاهل جانبًا مهمًا، يتمثل في الدور البشري الكامن وراء توجيه هذه العمليات التقنية، فاختيار نوع البيانات، وتحديد مصادرها، وتصميم الخوارزميات التي تقوم بجمعها، كلها عناصر تنطوي على تدخل بشري واعٍ، يعكس قدرًا من التقدير والاختيار.
ومن هنا يمكن القول إن الجهد الإبداعي في قواعد البيانات لا يكمن بالضرورة في إنتاج البيانات، بل في توجيه التقنية نحو جمع بيانات معينة دون غيرها، فمجرد توجيه النظام التقني للعمل وفق معايير محددة، واختيار نطاق البيانات، وآلية تنظيمها، يمثل نشاطًا ذهنيًا يتضمن قدرًا من الابتكار، وهذا التوجيه لا يقل في جوهره عن الإبداع التقليدي، بل قد يكون أكثر تعقيدًا، نظرًا لتداخله مع الجوانب التقنية.
ويجد هذا الطرح سنده في المنطق الذي تبناه المشرع الأردني عند اعتباره البرمجيات من المصنفات المحمية، فقد نص قانون حماية حق المؤلف في المادة (3/ب/8) منه على حماية برامج الحاسوب، رغم أنها في جوهرها ليست سوى أوامر موجهة للحاسوب لتنفيذ مهام معينة، فالمبرمج لا يخلق النتائج بشكل مباشر، بل يضع تعليمات (كود) توجه الآلة لإنتاجها، ومع ذلك، اعتُبر هذا التوجيه إبداعًا يستحق الحماية القانونية، وبالقياس على ذلك، فإن توجيه التقنية لجمع البيانات وتنظيمها ينبغي أن يُعد أيضًا نشاطًا إبداعيًا، خاصة إذا انطوى على قدر من الاختيار والترتيب المنهجي.
وعلى الرغم من هذه الإمكانية التفسيرية، إلا أن المشرع الأردني لم ينص صراحة على حماية قواعد البيانات ضمن المصنفات المشمولة بالحماية، وهو ما يُشكل ثغرة قانونية واضحة، فغياب نص صريح يُنظم هذه المسألة يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، وقد يؤدي إلى حرمان مستثمري البيانات من الحماية القانونية، رغم الجهد الكبير المبذول في إنشائها، كما أن هذا الفراغ التشريعي لا يتماشى مع أهمية البيانات في الاقتصاد الرقمي الحديث، حيث أصبحت تُعد من أهم الأصول غير الملموسة.
وفي المقابل، نجد أن العديد من التشريعات المقارنة قد عالجت هذه الإشكالية بوضوح، ففي الاتحاد الأوروبي، تبنت الدول الأعضاء، ومنها فرنسا، نظامًا مزدوجًا لحماية قواعد البيانات، حيث تُحمى القواعد التي تتسم بالأصالة بموجب حق المؤلف، بينما تُمنح القواعد التي لا تستوفي هذا الشرط حماية خاصة (Sui Generis) إذا انطوت على استثمار جوهري في جمع البيانات أو تنظيمها.
أما في بريطانيا، فقد تم تبني هذا التوجه من خلال تشريعات خاصة تعترف بقواعد البيانات كمصنفات محمية، سواء من حيث الإبداع أو من حيث الجهد الاستثماري، بينما في الولايات المتحدة، يُشترط حد أدنى من الإبداع في اختيار أو ترتيب البيانات لمنح الحماية، كما ظهر في قضية Feist Publications v، Rural Telephone Service، التي أكدت أن مجرد الجهد لا يكفي؛ إذ يجب وجود أصالة في التنظيم أو العرض.
إذًا، يمكن القول إن الإشكالية المتعلقة بحماية قواعد البيانات في قانون حق المؤلف لا تكمن في غياب الإبداع، بل في قصور المفهوم التقليدي لهذا الإبداع عن استيعاب الأشكال الحديثة للإنتاج المعرفي، فالإبداع اليوم لم يعد يقتصر على التعبير المباشر، بل يشمل أيضًا توجيه التقنية وتطويعها لتحقيق نتائج معينة، ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخل تشريعي يُواكب هذه التطورات، من خلال إدراج قواعد البيانات ضمن المصنفات المحمية صراحة، أو استحداث نظام قانوني خاص بها، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار في البيئة الرقمية المعاصرة.





