غارات بيروت تكشف ازدواجية الحضور... الإيرانيون ديبلوماسيون أم ضباط؟
في لحظةٍ تختلط فيها الوقائع الميدانية بالرسائل السياسية، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية مقتل ستة من ديبلوماسييها في لبنان، نتيجة غارة إسرائيلية استهدفت، وفق بيانها، مقر إقامتهم في بيروت، ووصفت الحادثة بأنها "جريمة بشعة" و"انتهاك صارخ للقانون الدولي". كما وصفت وزارة الخارجية الإيرانية مقتل الديبلوماسيين الستة بأنه "مثال على الإرهاب المنظم وهجوم على المبادئ الأساسية للقانون".إلا أنّ الرواية الإيرانية سرعان ما دخلت في منطق مناقض مع نشر وكالات رسمية أسماء الضحايا وصورهم، مرفقة هذه المرة برتبهم في الحرس الثوري، وهم ضباط برتب عالية ما فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة صفتهم الحقيقية، وما إذا كانوا يمارسون عملاً دبيلوماسيا صرفا أم أدوارا تتجاوز ذلك إلى العمل الأمني والعسكري.
في هذا السياق، تكشف مصادر وزارة الخارجية اللبنانية لـ"النهار" أنّ الأسماء المذكورة كانت قد تقدمت رسميا بأوراقها وجوازات سفرها على أن هؤلاء ديبلوماسيون مكلّفون بمهام محددة، وقد جرى التعامل معهم على هذا الأساس ضمن الأطر القانونية المعتمدة. غير أنّ المفاجأة، بحسب المصادر، جاءت مع نشر صورهم مقرونة برتب عسكرية في الحرس الثوري، ما اعتبر "تلاعباً بالهويات وإخفاء لصفاتهم الفعلية"، في تناقض واضح مع القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية التي تنظّم العمل الدبلوماسي. وتضيف المصادر أنّ هذا التباين بين الصفة المعلنة والحقيقية، لا يشكّل فقط خرقا إداريا، بل يضرب جوهر العلاقة الديبلوماسية القائمة على الشفافية والاعتراف المتبادل، ويضع الدولة اللبنانية أمام استحقاق سيادي يتجاوز الحادثة بحد ذاتها، ويكشف احقية طرد السفير الايراني، بحيث يعتبر مسؤولاً عن هذه التلاعب.
أما في ما يتعلق بظروف مقتلهم، فتوضح المصادر أنّ أربعة من القتلى سقطوا في استهداف سابق طال فندق "رامادا" في منطقة الروشة، فيما قتل الآخرون داخل شقق في بيروت خارج نطاق الضاحية الجنوبية، ما يعزز فرضية تعدد الضربات وتوزع أماكن وجودهم، ويشير إلى نمط استهداف منهجي يلاحق أفرادا بعينهم لا مجرد مواقع.
وكانت الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق استهداف عناصر مرتبطة بـ"فيلق القدس"، الذراع الخارجية للحرس الثوري، داخل العاصمة اللبنانية، في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران وحلفائها في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات على خلفية توتر متصاعد بين الدولة اللبنانية والسفارة الإيرانية، في ظل اتهامات متزايدة بانخراط الحرس الثوري في دعم "حزب الله"، الذي فتح جبهة الجنوب توازياً مع الحرب الإقليمية. ويستعيد هذا المشهد حادثة إجلاء أكثر من مئة إيراني من بيروت مطلع الشهر، بينهم دبلوماسيون، في عملية نُفذت عبر طائرة روسية، في مؤشر مبكر إلى إدراك طهران حساسية الوضع الميداني واحتمالات توسعه، وكذلك إلى وجود بنية بشرية واسعة تتجاوز الإطار الديبلوماسي التقليدي.
وبين الروايتين، الديبلوماسية المعلنة والعسكرية المضمرة، تتكرّس معادلة جديدة في لبنان، حيث لم يعد الخط الفاصل بين العمل الدبلوماسي والنشاط الأمني واضحاً، بل بات جزءا من صراع مفتوح تتداخل فيه السيادة بالقانون الدولي. وفي ظل هذا الواقع، تبدو بيروت مرة جديدة ساحةً لتبادل الرسائل بالنار، فيما تجد الدولة نفسها أمام اختبار دقيق: إما إعادة ضبط قواعد العلاقة الديبلوماسية بما يحفظ سيادتها، أو الانزلاق أكثر إلى منطقة رمادية تتآكل فيها الحدود بين الدولة وما يتجاوزها.
...




