جهاد المنسي : اعتذار إلى الجدران
•ربما آن الأوان لأن نقدم اعتذارًا رسميًا إلى الجدران، فهي منذ سنوات طويلة، تتحمل ما لا ينبغي لأي جدار أن يتحمله، تستقبل الشعارات، والعبارات العابرة، والرسائل الغاضبة، والتوقيعات التي يعتقد أصحابها أنها...
•كل صباح نمر بجدار جديد فقد ملامحه، سور مدرسة، أو حديقة، أو مؤسسة عامة، أو حتى مبنى تاريخي، تحول إلى دفتر مفتوح لكل من أراد أن يكتب كلمة أو يرسم شكلًا (وأنا هنا لا أتحدث عن الرسوم الفنية واللوحات التي...
•لو كانت الجدران قادرة على الكلام، لما طلبت أكثر من حقها في أن تبقى جدرانًا، لا لوحات مجانية، ولا منصات للتنفيس، ولا صفحات يكتب عليها كل عابر ما يخطر بباله، فالجدار، في النهاية، جزء من صورة المدينة، وم...
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
ربما آن الأوان لأن نقدم اعتذارًا رسميًا إلى الجدران، فهي منذ سنوات طويلة، تتحمل ما لا ينبغي لأي جدار أن يتحمله، تستقبل الشعارات، والعبارات العابرة، والرسائل الغاضبة، والتوقيعات التي يعتقد أصحابها أنها ستخلد أسماءهم، بينما هي في الحقيقة لا تضيف إلى المكان سوى مزيد من التشويه.كل صباح نمر بجدار جديد فقد ملامحه، سور مدرسة، أو حديقة، أو مؤسسة عامة، أو حتى مبنى تاريخي، تحول إلى دفتر مفتوح لكل من أراد أن يكتب كلمة أو يرسم شكلًا (وأنا هنا لا أتحدث عن الرسوم الفنية واللوحات التي بتنا نراها في بعض الأماكن) أو يترك أثرًا لا يعني أحدًا، والمشكلة ليست في الكلمات ذاتها، بل في الفكرة التي دفعت صاحبها إلى الاعتقاد بأن الممتلكات العامة مساحة مباحة يمكن استخدامها كيفما يشاء، ومثال ذلك أسماء أشخاص ولتشييك مزارعكم وغيرها.لو كانت الجدران قادرة على الكلام، لما طلبت أكثر من حقها في أن تبقى جدرانًا، لا لوحات مجانية، ولا منصات للتنفيس، ولا صفحات يكتب عليها كل عابر ما يخطر بباله، فالجدار، في النهاية، جزء من صورة المدينة، ومن احترامنا لأنفسنا قبل أن يكون قطعة من الإسمنت.المؤلم أن من يرفض أن يقترب أحد من جدار منزله، أو يترك عليه خدشًا صغيرًا، قد لا يجد حرجًا في الكتابة على سور مدرسة أو حديقة أو مرفق عام، وكأن هناك فرقًا بين الممتلكات الخاصة والعامة من حيث الاحترام، مع أن الحقيقة تقول إن المال العام هو ملك لكل واحد منا، والاعتداء عليه هو اعتداء على الجميع.القضية ليست مجرد إزالة طلاء أو تنظيف كتابة عشوائية، فهذه أعمال يمكن إنجازها خلال ساعات، القضية الحقيقية هي الثقافة التي تسمح بهذا السلوك، وتتعامل معه باعتباره أمرًا عاديًا أو مجرد مزحة لا تستحق التوقف عندها، بينما هو في الواقع مؤشر على خلل أعمق في علاقتنا بالفضاء العام، وفي فهمنا لمعنى المسؤولية المشتركة.المدن الجميلة لا تصنعها البلديات وحدها، ولا تحافظ عليها فرق النظافة فقط، بل يصنعها المواطن الذي يقرر ألا يضيف عبئًا جديدًا على العامل الذي سيأتي غدًا او بعد شهر او سنة، لإزالة أثر تركه بلا سبب. واحترام المكان لا يحتاج إلى حملات موسمية بقدر ما يحتاج إلى قناعة راسخة بأن الشارع، والحديقة، والمدرسة، والجدار، كلها امتداد لبيوتنا وليست أماكن تخص جهة أخرى.القانون، بلا شك، جزء من الحل، لأن حماية الممتلكات العامة لا تستقيم دون مساءلة كل من يعبث بها، لكن القانون وحده لا يكفي إذا لم تسبقه تربية تغرس في الطفل منذ سنواته الأولى أن المحافظة على المكان ليست خوفًا من العقوبة، بل احترامًا للذات وللآخرين، وأن الجمال ليس ترفًا، وإنما قيمة حضارية تعكس مستوى الوعي والانتماء.نحن نتحدث كثيرًا عن حب الوطن، ونردد كلمات كبيرة عن الانتماء والمسؤولية، لكن هذه المعاني تبدأ من التفاصيل الصغيرة، تبدأ من الامتناع عن رمي النفايات، والمحافظة على المرافق العامة، وترك المكان كما نتمنى أن نجده دائمًا، فالوطن لا يُحترم بالشعارات وحدها، وإنما بالسلوك اليومي الذي يراه الجميع.لهذا، فإن الاعتذار الحقيقي ليس للجدران وحدها، بل لكل مدينة شوهنا جزءًا من ملامحها، ولكل طفل اعتاد أن يرى العبث أمرًا طبيعيًا، ولكل عامل يقضي ساعات في إزالة ما لا يجب أن يُكتب أصلًا.أما الجدران، فربما لا تريد منا أكثر من وعد بسيط: أن نتركها تؤدي وظيفتها الأولى.. وأن تبقى جدرانًا، لا دفاتر مفتوحة لعبث لا يليق بمدينة تستحق أن تكون أجمل.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



