غابت عدالة الدولة وحضرت عدالة ما قبلها ....أي عدالة تليق بالمرحومة نور؟؟؟
• كتب د.عبدالحكيم الحسبان قبل أيام اهتز وجدان الاردنيين على وقع ما وصلهم من تفاصيل تتعلق بحادثة قتل شابة جامعية قيل الكثير عما يعتقد انه تفاصيل تتعلق بحادثة قتلها.وجاءت اخبار الجريمة المروعة لتزيد...
•وكما في كل جرائم القتل في الاردن فقد تحركت اجهزة الدولة أمنيا ولتضبط المشهد الامني ولتفسح المجال حقوقيا وقضائيا لما يسمى في الاردن بالقضاء العشائري.
•وهو ما حدث؛ إذ قيض لي أن أشاهد على قناة يوتيوب محتوى بصريا مطولا تظهر فيه حشود بالمئات وهي تطالب بالقصاص وباعدام المتهم بالقتل، كما يظهر في الفيديو شيخان عشائريان جليلان وكان في حديثهما ما يشبه التوجي...
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب د.عبدالحكيم الحسبان
قبل أيام اهتز وجدان الاردنيين على وقع ما وصلهم من تفاصيل تتعلق بحادثة قتل شابة جامعية قيل الكثير عما يعتقد انه تفاصيل تتعلق بحادثة قتلها.وجاءت اخبار الجريمة المروعة لتزيد من قلق الاردنيين، وإذ صارت جرائم القتل والانتحار التي تتنقل شمالا ووسطا وجنوبا جزءا من واقعهم المعيشي الصعب. وكما في كل جرائم القتل في الاردن فقد تحركت اجهزة الدولة أمنيا ولتضبط المشهد الامني ولتفسح المجال حقوقيا وقضائيا لما يسمى في الاردن بالقضاء العشائري. وهو ما حدث؛ إذ قيض لي أن أشاهد على قناة يوتيوب محتوى بصريا مطولا تظهر فيه حشود بالمئات وهي تطالب بالقصاص وباعدام المتهم بالقتل، كما يظهر في الفيديو شيخان عشائريان جليلان وكان في حديثهما ما يشبه التوجيه للقضاء وللمحاكم الاردنية.
والحال، فإن تفاصيل ما بعد جريمة قتل المرحومة نور تكرس طقوسا لطالما الفها الاردنيون. وهي طقوس تحضر فيها الدولة على المستوى الامني ممثلة بالاجهزة الامنية التي تقوم بضبط التداعيات الامنية واحتوائها واذ تكرس الدولة حضورا أمنيا قويا يقوم بها الحاكم الاداري كما اجهزة الامن العام بدور رئيس. وما أن يتم ضبط المشهد أمنيا حتى يتراجع عمل الدولة واجهزتها لتقوم قوى عشائرية ومناطقية بصياغة التسويات الحقوقية المتعلقة بالقضية وكل هذا تحت بصر وسمع اجهزةا لدولة المختلفة وبعيدا عن المؤسسة القضائية واجهزتها المتشعبة والمتخصصة تقنيا وحقوقيا وفلسفيا وأخلاقيا. وباختصار فان الدولة تحضر امنيا وهذا دأبها ، ولكنها تغيب حقوقيا ، وهذا ما يجب أن يثير الخوف والقلق في نفوس الاردنيين وفي نفس كل من يطلب العدالة سواء كان ضحية أم جانيا.
فما يسمى بالثنائية الحقوقية (قانون عشائري وقانون دولة) التي تعيشها البلاد او ما يحلو للبعض ان يسميه بالتعددية القضائية لا يمكن للعقل السليم ألا أن يعود ليطرح الاسئلة الكبرى حول الاشكاليات الكبرى التي يعج بها الواقع الاردني والتي يتمحور كثير منها حول مدى اتساق هذه الثنائية القضائية مع الدستور، وحول مدى انسجام الدولة واجهزتها مع بنود الدستور نفسه، وحول معنى العدالة والقانون الذي يطبع السلوك العام للدولة الاردنية وفاعليها، وحول فهم الدولة الاردنية لنفسها ولدورها، كما لكيفية اعادة نفسها وحول الكيفية التي بات الامن بالمعنى الضيق والمحدود للكلمة وكانها الاداة الوحيدة والحصرية التي تؤمن للدولة البقاء وتعطيها الشرعية في الداخل كما في الخارج.
والى جانب هذه الاسئلة الكبرى التي تثيرها اشكالية الثنائية القضائية التي هي بالتأكيد ثنائية حقوقية ان لم نقل تعددية حقوقية لانها لا تعطي وزنا حقوقيا واحدا لكل فرد عضو ينتمي للدولة والامة الاردنية، فان اسئلة كبرى تطرح على صعيد تعايش كيانات الدولة او ما يفترض انه دولة مع تلك الكيانات التي سبقت الدولة . فالعشيرة والطائفة والمدينة وقبلهما الزمرة أو الجماعة مثل كل واحد منها طورا تاريخيا اجتازته البشرية أو كثير من مجتمعاتها قبل ان تصل الى طور الدولة. والحال فان الوصول الى طور الدولة يعني حكما وحتميا ضرورة أن تجتاز الدولة تلك الكيانات او الاطوار التي سبقتها. فالعدالة والبناء الحقوقي في طور العشيرة أو في طور الطائفة أو الزمرة لا يتسق بالمطلق مع البناء الحقوقي ومفهوم العدالة الذي طورته مجتمعات الدولة.
وفوق هذه الاسئلة كلها تطرح مسألة الثنائية القضائية أشكالبات كبرى على صعيد تعريف الاردنيين ومن يسقط ضحية منهم في جريمة قتل إن كان مواطنا وهو بالتالي أبنا للامة أو الشعب الاردني، ما يعني أن الشعب والامة كلهم وبما يملكون من مؤسسات واجهزة وامكانيات تقع عليهم مسؤولية العمل الدؤوب على تحصيل حقوق الضحية وانتزاعها ومراقبة اليات تأمينها، أم ان الاردني هو ليس ابنا لامة من 11 مليون وهو ليس عضوا في هذه الامة التي يدفع الضرائب لها لتذهب وتنفق على مختلف احتياجاتها، وهو بالتالي ابنا لعائلة أو عشيرة أو طائفة فقط وهي من يجب أن تؤمن حقوقه بالقدر الذي تستطيعه، وبالقدر الذي تسمح به موازين القوى بين العشائر والمناطق والطوائف وهي بالتأكيد غير متساوية وغير متكافئة. ما يعني أن دم الضحية هو في قيمته يخضع لثقل العشيرة او الجماعة التي انتسب اليها، كما ان ما يترتب على الجاني من واجبات وحقوق يخضع هو ايضا لحجم العشيرة او المنطقة او االجماعة التي ينتمي بالدم اليها.
أجزم أن الدستور الذي هو المرجع في التشخيص الحقوقي والتعاقدي لكل من يعيش على الارض الاردنية هو واضح جدا، فهي دستور حداثي على صعيد تعريف من هو الاردني. وهو يعتبر أن الاردنيين كلهم أبناء للاردن وهم يتساوون في القيمة الحقوقية لكل واحد منهم. ما يعني أن من يموت غيلة وغدرا منهم فان على الامة كلها أن تمارس واجباتها تجاه من سقط غدرا وغيلة. كما أن على الامة كلها ان تضمن كل الحقوق التي تشتمل عليها المحاكمة العادلة لمن اتهم بالقتل. ووفق فلسفة هذا التعريف فان الاجهزة القضائية بما تملك من قدرات مؤسسية وتقنية وفنية وعلمية واخلاقية هي وحدها القادرة تقنيا وعلميا واخلاقيا ووطنيا على أنتقوم بمهمة انصاف من قتل، وسقط ضحية، كما ان عليها انصاف من وجهت له تهمة القيام بالجرم والجريمة.
وفي كل ما يحدث من جرائم قتل في الاردن يبدو لافتا هذا الغياب المخيف للاعلام الرسمي وغير الرسمي واقصد هنا الاعلام التقليدي أي الصحافة التقليدية وقنوات التلفزة. ففي حين اعتادت هذه القنوات على تغطية الكثير مما يجري في شوارعالغرب او في قاعات الفنادق الفخمة من انشطة لمسؤولين رسميين، فانها لا تجد أي قيمة خبرية واعلامية في التغطية المهنية للتفاصيل المتعلقة بجرائم القتل او حتى بمختلف القضايا التي يتدوال بها القضاء والقضاة. ولا اقصد هنا الحديث عن الجوانب الشعبوية التي تثيرها تفاصيل جريمة القتل ذاتها، ولكني اقصد تلك التغطية الاعلامية المؤسسية التي تقدم للاردنيين اخبارا مهنية متواصلة من ساحات المحاكم ومن افواه المحامين الذين عليهم ان يطلعواالاردنيين على سير العدالة وتحقيقها.
فان يتحول المحامون والقضاة والمستشارون القضائيون الى جزء من الفاعلين في المشهد الاعلامي، وان تتحول كاريدورات محاكم الدولةالاردنية واسماء المحاكم وانواعها، وان تتحول قرارات المحاكم الى مادة خبرية واعلامية ، فهو بالضبط ما سوف يكرس المعنى الحقوقي والصورة الحقوقية للدولة الاردنية بدلا من الصورة الامنية التي هيمنت.فحضور المحامي والقاضي ومبنى المحكمة في المشهد الاعلامي هو ضرورة لكل دولة تصر على البقاء والديمومة لانه يعيد انتاج المعنى الحقوقي للدولة ولانه يحيل كائنات العشيرة والطائفة والمنطقة والشلة إلى كائنات دولتية وكائنات دولة أي مواطنين.
في الاعلام الاردني الواسع يحجم الاعلام الرسمي وشبه الرسمي عن تغطية مجريات جرائم القتل وغيرها منن الجرائم ويندر أن تجد خبرا في الاعلام بطله محام او قاض أو رئيس محكمة، ولكنك تجد في المقابل إعلاما الكترونيا جديدا يعج باخبار الجاهات والصلحات العشائرية والقضاة العشائريين. وبما يكرس صورة العشيرة والفهم الحقوقي العشائري وينسف تلك الفلسفة الحقوقية التي يقوم عليها الجهاز القضائي والمنبثقة عن الدستور الاردنيالذي يقدم تعريفا حداثيا لمفهوم من هو الاردني. فالخطاب الاعلامي المهيمن يعلي من الفهم الحقوقي الذي ينبثق من العشيرة في حين أنها يهمش ويضعف من الفهم الحقوقي الحداثي عبر تجاهله اخبار المحاكم والقضاة وسير القضايا في المحاكم الرسمية الاردنية.
في الإعلام الفرنسي يلفت كثير ذلك الحضور الدائم والمهيب للقضاة والمحامين باثوايهم الخاصة في نشرات اهم القنوات التلفزيونية. فلا يكاد يمر يوم دون ان يشاهد الفرنسيون محاميا يمثل الادعاء واخر يمثل الدفاع وهم يعرضون مواقفهم في كثير من القصايا واهمها جرائم القتل. ويتابع الاعلام الفرنسي تطورات
كل قضية من قضايا جرائم القتل وبشكل مستمر وصولا لإصدار الأحكام النهائية في القضية.لا ابالغ اذا قلت ان كثيرا من المحامين الفرنسيين هم نجوم وبما يشبه نجومية بعض رجال الفن والاعلام.
واما ما ينتج عن هذه الطقوس من التغطية الاعلامية لمداولات القضاء وظهور المحامين على شاشة التلفزة ومشاهدة الفرنسيين لكاميرات التلفزة وهي تنقل بثا تلفزيونيا من امام المحاكم ومن داخل كاريدوراتها فهو يكرس في العقل الجمعي الفرنسي المفهوم الحقوقي للدولة لانه يعيد انتاج تلك الصورة الحقوقية للدولة والمجتمع. وهو يكرس في عقل كل فرنسي ان من يسقط ضحية جريمة قتل هو ابن للأمة الفرنسية وليس ابنا لعائلة او عشيرة وهو يكرس ايضا شعورا لدى عائلة الضحية ان الأمة الفرنسية كلها هي من ستأمن العدالة وستأتي بالقصاص لدم ابنها وهي في الان ذاته تكرس عاملا رادعا لكل فرد في الأمة الفرنسية من مغبة ارتكاب جريمة قتل نفس لان قضيته ستكون مع الأمة كلها وليس مع عائلة او عشيرة او طائفة الضحية
وبالعودة إلى حادثة الضحية نور واهلها المكلومين والذي تعاطفت مع مصابهم كل البيوت الاردنية، فان قدرا كبيرا من التساؤل يثور في النفس حول القدر الذي تستحقه هذه الضحية وعائلتها من عدالة. فهل تستحق عدالة بحجم ضمير ١١ مليون اردني وبحجم مؤسسة قضائية تشتمل على جيش من القضاة ورجال العدالة بما يكتنزون من معرفة تقنية ومن ضمير وممارسة دولتييين، وان تكون محاكمة الجاني تبدأ بمشهد في محكمة تعود للامة كلها وتبدأ بالعبارة الاثيرة التي تسمعها في محاكم كثير من أمم الارض حين يفتتح رئيس المحكمة جلسة المحاكمة مرددا العبارة الشهيرة "باسم الامة".
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





