جفاف نهر الدانوب يهدد الطاقة النووية في أوروبا
د. أيوب أبودية
في تطور يكشف بصورة واضحة كيف يمكن للتغير المناخي والجفاف الشديد أن يتحولا من مشكلة بيئية إلى أزمة مباشرة في أمن الطاقة، واجهت المجر خطر إغلاق مفاعل ثان في محطة باكس النووية، وهي المحطة النووية الوحيدة في البلاد وفيها أربعة مفاعلات، بعدما انخفض منسوب مياه نهر الدانوب إلى مستويات قياسية لم تعد تسمح بتوفير كميات المياه اللازمة لتبريد مفاعلاتها.
وأفادت BBC في 30 تموز 2026 بأن الانخفاض غير المسبوق في مستويات نهر الدانوب أصبح يهدد تشغيل باقي مفاعلات المحطة، التي تعتمد على مياه النهر في عملية التبريد. ومع استمرار موجة الحر والجفاف في وسط أوروبا، أصبحت المشكلة أكبر من مجرد انخفاض في إنتاج الكهرباء؛ إذ بدأت تضغط على منظومة الطاقة المجرية وعلى دول أخرى تعتمد هي أيضًا على مياه الأنهار في تشغيل محطات الطاقة، مثل رومانيا الذي توقف احد مفاعلاتها فخسرت ٢٠% من طاقتها الكهربائية وباتت الحكومة اليوم تناشد المواطنين بترشيد الاستهلاك.
لماذا تحتاج المحطة النووية إلى مياه النهر؟
قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن يؤدي انخفاض مستوى نهر إلى إيقاف محطة نووية. فالمفاعل النووي لا يحتاج إلى النهر لإنتاج الحرارة؛ فالحرارة تنتج عن الانشطار النووي داخل الوقود. لكن هذه الحرارة الفائضة يجب في النهاية التخلص منها بصورة مستمرة وآمنة.
تعمل محطة باكس، التي تقع على ضفاف الدانوب، بأربعة مفاعلات تبلغ قدرتها الإجمالية نحو 2000 ميغاواط. وتستخدم مياه النهر في نظام التبريد المرتبط بالمحطة. وعندما تنخفض كمية المياه المتاحة، تصبح عملية سحب المياه وتبريد المنظومة أكثر صعوبة، كما تصبح درجة حرارة المياه نفسها عاملًا مهمًا.
إن ازدياد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يؤثر في قدرتها على العمل، حتى عندما تكون المفاعلات نفسها سليمة وآمنة. لم يكن ما حدث في المجر مجرد انخفاض موسمي طبيعي في مستوى النهر. فقد شهدت أجزاء واسعة من أوروبا الوسطى موجات حر متتالية وفترات طويلة من الجفاف أدت إلى تراجع كبير في مياه الأنهار.
وفي بودابست، هبط مستوى الدانوب إلى مستويات تاريخية متدنية للغاية، في وقت كانت فيه درجات الحرارة المرتفعة تزيد الطلب على الكهرباء بسبب تشغيل أجهزة التكييف والتبريد.
وهذا يخلق حلقة من الضغط المتبادل: فالحرارة الشديدة تزيد الحاجة إلى الكهرباء، بينما يؤدي الجفاف والحرارة في الوقت نفسه إلى تقليص قدرة بعض محطات التوليد، خصوصًا المحطات التي تعتمد على مياه الأنهار للتبريد.
وتشير تقارير لاحقة إلى أن محطة باكس انخفض إنتاجها إلى نحو 240 ميغاواط في ذروة الأزمة، أي إلى جزء صغير جدًا من قدرتها المعتادة. لماذا يمثل ذلك مشكلة كبيرة للمجر؟
تكمن أهمية محطة باكس في أنها ليست محطة عادية ضمن شبكة الكهرباء المجرية، بل هي أحد أعمدة نظام الطاقة في البلاد. فهي تنتج نسبة كبيرة من الكهرباء المولدة محليًا، ولذلك فإن توقفها يعني فقدان كمية ضخمة من القدرة الكهربائية في وقت ترتفع فيه الحاجة إلى الكهرباء.
وهكذا وجدت المجر نفسها أمام معادلة صعبة: ارتفاع الطلب بسبب الحر، وانخفاض الإنتاج النووي بسبب انخفاض مياه الدانوب، وتراجع قدرة بعض مصادر الطاقة الأخرى في المنطقة، ما يجعل استيراد الكهرباء من الدول المجاورة أكثر صعوبة وكلفة.
وقد دفعت الأزمة السلطات المجرية إلى اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك الكهرباء، بما في ذلك دعوة الشركات والمصانع إلى خفض الطلب، واتخاذ تدابير لتقليل الاستهلاك خلال ساعات الذروة.
الأزمة لا تتوقف عند المجر فالمشكلة ليست مجرية فقط. فالدانوب واحد من أهم الأنهار في أوروبا، ويمر عبر عدد كبير من الدول، وتستخدم مياهه في النقل والصناعة والزراعة والطاقة وتبريد المنشآت الصناعية.
وفي رومانيا، التي تقع إلى الجنوب من المجر، واجهت محطة تشيرنافودا النووية ظروفًا مشابهة بسبب انخفاض تدفق مياه الدانوب. وقد اضطرت رومانيا إلى خفض إنتاج إحدى وحدات المحطة، بينما استمرت الضغوط على الوحدة الأخرى.
وفي صربيا أيضًا تراجعت قدرة التوليد الكهرومائي بصورة كبيرة بسبب انخفاض منسوب الأنهار، ما أدى إلى اتخاذ إجراءات طارئة للحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء.
وهذا يعني أن الأزمة لا تحدث في دولة واحدة يمكنها ببساطة أن تستورد الكهرباء من جيرانها. فالدول المجاورة تواجه في الوقت نفسه ظروفًا مناخية متشابهة، وقد تكون هي الأخرى بحاجة إلى الكهرباء التي كانت المجر تأمل في استيرادها.
تقدم هذه الأزمة درسًا مهمًا في النقاش العالمي حول الطاقة النووية والتغير المناخي. فالطاقة النووية تعد من مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية، ولهذا تعتمد عليها دول كثيرة في خططها للحد من استخدام الفحم والغاز والنفط. لكن انخفاض الانبعاثات لا يعني أن المحطات النووية محصنة أمام آثار تغير المناخ او الكوارث كما حدث في فوكوشيما وتشرنوبل. بل إن تغير المناخ يمكن أن يفرض عليها تحديات جديدة، منها:
- ارتفاع درجات حرارة مياه الأنهار والبحيرات.
- انخفاض مستويات المياه نتيجة الجفاف.
- تراجع تدفقات الأنهار.
- زيادة الطلب على الكهرباء خلال موجات الحر.
- زيادة المنافسة على المياه بين محطات الطاقة والزراعة ومياه الشرب والصناعة.
- ارتفاع مخاطر توقف بعض وحدات التوليد خلال فترات الذروة.
وبعبارة أخرى، يمكن أن يكون مصدر الطاقة منخفض الكربون، لكنه يظل معرضًا لمخاطر المناخ إذا كان تصميمه يعتمد بصورة كبيرة على الموارد الطبيعية المحلية.
وهذا يوضح أهمية تصميم أنظمة الطاقة على أساس الظروف المناخية المستقبلية وليس فقط على أساس السجلات التاريخية. فتغير المناخ يختبر البنية التحتية القديمة فالسؤال الذي تطرحه أزمة الدانوب هو: هل تكفي معايير التصميم التي كانت مناسبة عندما أنشئت المحطة للتعامل مع عالم ترتفع فيه درجات الحرارة وتتكرر فيه موجات الجفاف؟
هذا السؤال لا يخص المجر وحدها. ففي فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، وسويسرا، ورومانيا، وسلوفاكيا ودول أوروبية أخرى، توجد محطات طاقة تعتمد بدرجات مختلفة على الأنهار أو المسطحات المائية في عمليات التبريد.
وقد شهدت أوروبا في السنوات الأخيرة حالات اضطر فيها عدد من محطات الطاقة النووية إلى خفض إنتاجها بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه أو انخفاض تدفق الأنهار.
قد يقول البعض إن الحل بسيط: زيادة الطاقة الشمسية والرياح بدلًا من الاعتماد على محطات نووية تحتاج إلى المياه.
لكن المسألة أكثر تعقيدًا.
فالمجر نفسها تمتلك قدرة كبيرة ومتنامية من الطاقة الشمسية، إلا أن الطاقة الشمسية تنتج الكهرباء بصورة رئيسية خلال ساعات النهار، بينما يستمر الطلب على الكهرباء طوال الليل. كما أن موجات الحر قد تحدث في أوقات تكون فيها الحاجة إلى الكهرباء مرتفعة جدًا، في حين تتغير سرعة الرياح وتوافر الطاقة الشمسية بحسب الظروف الجوية.
ولهذا فإن الانتقال إلى نظام كهربائي أكثر نظافة يحتاج إلى مزيج من المصادر، إضافة إلى التخزين، وشبكات كهربائية قوية، وربط إقليمي، وإدارة ذكية للطلب.
في الماضي كان الجفاف يُنظر إليه أساسًا باعتباره مشكلة زراعية أو بيئية. أما اليوم، فإن انخفاض المياه يمكن أن يؤدي إلى تعطيل النقل النهري، وتقليص الإنتاج الزراعي، ورفع أسعار الغذاء، وتقليص إنتاج الطاقة، وزيادة استهلاك الكهرباء بسبب التبريد، وإجبار الدول على استيراد الطاقة بأسعار مرتفعة.
وقد أظهرت أزمة الدانوب أن المياه والكهرباء والغذاء والنقل ليست قطاعات منفصلة، بل أجزاء من منظومة واحدة.
فإذا انخفضت المياه، يتضرر النقل النهري. وإذا ارتفعت الحرارة، تزداد الحاجة إلى الكهرباء. وإذا انخفضت المياه المستخدمة في التبريد، قد يتراجع إنتاج الكهرباء. وإذا تراجع الإنتاج، ترتفع الحاجة إلى الاستيراد. وإذا كانت الدول المجاورة تعاني المشكلة نفسها، تصبح إمكانية الاستيراد محدودة.
هذه هي إحدى صور أزمة المناخ المركبة. والدرس الأهم للدول العربية هو أن التخطيط للطاقة في المستقبل يجب أن يأخذ المياه بعين الاعتبار. فالدول العربية، وخصوصًا الدول التي تعاني أصلًا شحًا مائيًا، كالسعودية والاردن، لا تستطيع أن تتعامل مع الطاقة والمياه كقطاعين منفصلين.
إن بناء محطة كهرباء كبيرة يحتاج إلى دراسة مصدر المياه على مدى عشرات السنين، وليس فقط كمية المياه المتاحة اليوم. كما يجب دراسة السيناريوهات المستقبلية للجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتغير معدلات الأمطار والمخاطر المحتملة، فتبعات الكوارث النووية لم تنته منذ تشرنوبل ١٩٨٦، وما زالت تبعات كارثة فوكوشيما في بداياتها.
وفي المناطق الجافة، قد يكون من الأفضل التفكير منذ البداية في تقنيات الطاقة الشمسية والرياح والتخزين وتحسين كفاءة استخدام الكهرباء. أذ تكشف حادثة الدانوب عن حقيقة أساسية في عالم الطاقة: كل مصدر للطاقة له متطلبات ومخاطر ، لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: “أي مصدر للطاقة ينجم عنه مشكلات أقل؟”، بل: “كيف نبني منظومة طاقة تستطيع الصمود أمام تغير المناخ؟”
إن ما حدث لنهر الدانوب في صيف 2026 يقدم تحذيرًا بالغ الأهمية. فقد كان النهر، الذي يمثل شريانًا اقتصاديًا وبيئيًا لأوروبا، منخفضًا إلى درجة أثرت في الملاحة والصناعة والطاقة في وقت واحد.
وهذا يعني أن أزمة المناخ لم تعد قضية مستقبلية بعيدة. إنها أصبحت قادرة على التأثير مباشرة في تشغيل البنية التحتية التي تعتمد عليها المجتمعات الحديثة.
وإذا كانت دولة أوروبية متقدمة مثل المجر ورومانيا قد وجدت أن جفاف نهر واحد يمكن أن يهدد جزءًا كبيرًا من إمداداتها الكهربائية، فإن الرسالة للدول الأكثر جفافًا واضحة: أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين لن يكون منفصلًا عن أمن المياه والمناخ.
هذا المحتوى جفاف نهر الدانوب يهدد الطاقة النووية في أوروبا ظهر أولاً في سواليف.





