جدل “إسقاط إف-35” يثير نقاشاً واسعاً حول صفقات التسلح الأمريكية
أثار إعلان الحرس الثوري الإيراني “إسقاط” مقاتلة شبحية من طراز “إف-35 لاينينغ 2” تابعة لسلاح الجو الأمريكي في الأجواء الإيرانية جدلاً واسعاً في الأوساط العسكرية والإستراتيجية، خاصة في ظل إبداء العديد من الدول، ومن ضمنها المغرب (وفق ما أكدته عدة تقارير متخصصة)، اهتمامها باقتناء هذه الطائرات التي تنتمي إلى الجيل الخامس، ويسميها الخبراء العسكريون “حارس السماء”، نظراً لقدراتها الفائقة في التخفي والتحليل الاستخباراتي والحروب الإلكترونية، وهو ما يطرح سؤالاً حول إمكانية توجه هذه الدول إلى مراجعة خيار ضم هذه المنصة الجوية إلى ترسانتها.
في هذا الصدد يؤكد باحثون في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، تحدثوا لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا الشأن، أن قرار اقتناء منظومات بهذا الحجم لا يُبنى على تقارير لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن سياق الحرب النفسية التي باتت ملازمة لأي نزاع مسلح، وكذا حرب المعلومات بين شركات الدفاع العالمية، مستبعدين في الوقت ذاته أن يقوم المغرب بإعادة تقييم هذا الخيار الأمريكي، بالنظر إلى طبيعة عقيدته العسكرية وعلاقاته القوية مع واشنطن.
تفوق أمريكي وحرب معلومات
في هذا الصدد قال عبد الرحمان مكاوي، الباحث المختص في الشؤون العسكرية، إن “النزاع العسكري الأخير الذي اندلع في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي مثل اختباراً حقيقياً ومختبراً ميدانياً لقياس كفاءة وقدرات الترسانة الجوية العالمية؛ إذ برزت مقاتلات الجيل الخامس، وعلى رأسها طائرتا F-35 وF-22، كأدوات حسم جوية تتفوق بتكنولوجياتها الشبحية المتطورة، ما أتاح فرصة ذهبية لتقييم الأداء القتالي لهذه المنظومات في بيئة حرب حقيقية بعيداً عن الاستعراضات الفنية”.
وسجل المتحدث ذاته أن “هناك تنافسا تجاريا وعسكريا محموما بين أقطاب الصناعة الجوية، وتحديداً بين طائرة Su-57 الروسية ونظيرتها الأمريكية F-35؛ رغم أن الأخيرة تُعد الأبرز عالمياً بفضل خصائصها الفريدة، ومن أهمها قدرتها الاستثنائية على الإقلاع والهبوط العمودي، وتفوق منظومتها التكنولوجية التي تجعلها خياراً لا يضاهى في الميدان”.
إلى ذلك أكد مكاوي، في تصريح لهسبريس، “جدوى التمسك المغربي بمشروع اقتناء هذه المقاتلة الشبحية الأمريكية كخيار إستراتيجي لتعزيز الأمن القومي”، معتبراً أن “التفوق الذي أظهرته هذه الطائرة في ميادين أخرى كأوكرانيا يحفز على المضي قدماً في هذا المسار، خاصة أن المغرب يتمتع بصفة شريك إستراتيجي للولايات المتحدة خارج حلف ‘الناتو’، ما يفتح الباب أمام اتفاقيات متقدمة لنقل التكنولوجيا العسكرية وتطوير القدرات الدفاعية للمملكة”.
وسجل الباحث ذاته أن “هناك حرب معلومات تدور الآن، القطع العسكرية في صلبها، فرغم التقارير التي تتحدث عن إسقاط الطائرة إلا أن فرص ضرب هذه المقاتلة تبقى ضئيلة جداً، خاصة من طرف المنظومات الدفاعية التقليدية”، مشدداً على أن “التفوق النوعي في المنظومات الإلكترونية لهذه الطائرة وقدراتها التسليحية يجعلها الهدف الأول لحملات التضليل الإعلامي الساعية إلى النيل من سمعتها العسكرية العالمية”.
عقيدة مغربية وأدوات تخطيط
من جهته أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الإستراتيجية، أن “قراراً بحجم اقتناء مقاتلة من طراز إف-35 لا يُبنى في التقدير الإستراتيجي المغربي على إعلان ظرفي أو رواية صادرة عن طرف منخرط في صراع مفتوح، بل على تقييم طويل المدى لطبيعة التهديدات وبنية الردع المطلوبة؛ لذلك لا يوجد منطق مؤسسي يدفع الرباط إلى إعادة تقييم هذا الخيار فقط بسبب ادعاء إسقاط طائرة في بيئة قتالية معقدة، خصوصاً أن العقيدة العسكرية المغربية تقوم على الاستقرار في القرارات الإستراتيجية وليس التفاعل مع الأحداث الإعلامية المتقلبة”.
وأضاف معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “المغرب ينظر إلى هذه المنصة ضمن رؤية شاملة لإعادة تشكيل تفوقه الجوي، وليس كقطعة سلاح معزولة يمكن الحكم عليها بحادثة واحدة؛ فالرهان الأساسي يتمثل في امتلاك قدرة اختراق عميق، وتفوق معلوماتي، وإدارة المعركة من مسافة آمنة، وهي عناصر لا تتأثر بإعلان غير مؤكد حول حادثة إسقاط محتملة، بالتالي فإن معيار القرار يظل مرتبطاً بمدى مساهمة هذه الطائرة في رفع جودة الردع، وليس بسلامتها المطلقة في كل سيناريو”.
وزاد الخبير ذاته شارحاً: “كما أن البيئة الإستراتيجية للمغرب تختلف جذرياً عن بيئات الاشتباك الكثيف التي تُستخدم فيها أنظمة دفاع جوي متقدمة بكثافة. التهديدات المحيطة بالمملكة أقرب إلى نماذج هجينة ومتعددة المستويات، وهو ما يجعل قيمة إف-35 قائمة أساساً على قدرتها على التحكم في المجال الجوي وفرض تفوق استباقي، وليس فقط على قدرتها على النجاة من صواريخ متطورة في بيئة حرب شاملة”.
وشدد الباحث نفسه على أن “إعادة التقييم في العقيدة العسكرية المغربية لا تتم تحت ضغط الأحداث، بل عبر دورات تخطيط طويلة تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الإقليمية، وتطور قدرات الخصوم، وأولويات التحديث العسكري؛ وبالتالي فإن إدخال أو عدم إدخال هذه المنصة يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بتكلفة الفرصة، وتكاملها مع باقي المنظومة الجوية، وليس برد فعل على حدث معزول”، مبرزاً أن “صانع القرار في الرباط يدرك أن جزءاً من الحروب الحديثة يدور في المجال الإدراكي، حيث تُستخدم الإعلانات عن إسقاط منصات متقدمة كوسيلة للتأثير النفسي وليس كحقيقة عملياتية مؤكدة”.
The post جدل “إسقاط إف-35” يثير نقاشاً واسعاً حول صفقات التسلح الأمريكية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





