جامعة الدول العربية: آن أوان الرحيل
في اللحظة التي تنهمر فيها الصواريخ الإيرانية والمسيّرات الغاشمة فوق رؤوس الأبرياء في دول الخليج العربي، وفي الوقت الذي تُستهدف فيه المنشآت المدنية والاقتصادية في دولٍ أعلنت بوضوح حيادها ورفضها الانجرار إلى أتون الصراعات الإقليمية، يرتفع صوت الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، متسائلاً بمرارة: "أين الجامعة العربية؟ وأين مؤسسات العمل العربي المشترك؟"
هذا التساؤل ليس مجرد عتاب دبلوماسي، بل هو نعيٌ صريح لكيانٍ استمرأ الصمت حتى صار الصمت هويته.
إن ما يثير الدهشة ليس عجز هذه الجامعة عن الفعل، بل استغراب البعض من هذا العجز. فماذا ننتظر من مؤسسةٍ لم تفتح الله عليها بكلمة "إدانة" خجولة أمام استباحة سماء الخليج وتهديد أمنه القومي، وهي المتخصصة في الشجب والإدانة والاستنكار وإتقان فنون الخطابة الجوفاء؟ فلماذا خرست هذه المرة يا ترى؟
لقد وُلدت هذه الجامعة في عام 1945 بسبع دول تحت لافتة دعم استقلال الشعوب العربية من نير الاستعمار. واليوم، وبعد مرور ثمانية عقود، يعلم الجميع أنه لا يوجد ثمة دولة عربية واحدة نالت استقلالها بفضل هذه الجامعة، بل تحقق استقلال معظمها بفضل تضحيات الشعوب أو بحكمة بعض القادة وحنكتهم.

إذن، لقد انتفى سبب وجودها التاريخي منذ أمد بعيد بعد رحيل الاستعمار، ومنذ ذلك الوقت تحولت من "مظلة" تجمع الشتات إلى مظلة تحمي الفشل والترهل.
اليوم، هي كيان متورم، متضخم الميزانيات، منتهي الصلاحية، مجرد بند للصرف والإعاشة لبيروقراطية عتيقة. بل إن ضرر بقائها بات يفوق فناءها؛ ولنا في السودان مثال صارخ. فلطالما استُخدمت هذه الجامعة كأداة تآمرية لإجهاض تطلعات الشعب السوداني نحو الحرية.
لقد باركت الجامعة جميع الانقلابات العسكرية التي أجهضت أحلام الشعب بالحرية والديمقراطية: من انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958 وحتى انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في العام 2021، حيث لعب أمينها العام دوراً تضليلياً مفضوحاً لصالح الانقلابيين الذين انقلبوا ضد حكومة الثورة المدنية وضد تطلعات الشعب السوداني وأحلامه بالدول المدنية الديمقراطية. وفي هذا المبحث يطول الحديث، وقد كنت شاهداً على دور هذه الجامعة المخزي ضد حكومة الثورة.
إن جامعة الدول لم تعد عاجزة فحسب، بل أصبحت عبئاً أخلاقياً وسياسياً. وهي تغيب في السلم فلا تُسهم في التنمية، وتتوارى في الحرب فلا تحمي حِمى. وبالتالي، يصبح استمرار دول الخليج والدول العربية الحيوية في ضخ مواردها وطاقاتها في هذا الكيان بشكله العقيم الحالي نوعاً من الهدر السياسي. ولا أعرف حقيقةً إن لم تكن الجامعة العربية حاضرة في هذه اللحظات المصيرية التي يُهدد فيها أمن الخليج القومي، فمتى ستظهر؟!
إن المصلحة الوطنية للشعوب تقتضي اليوم مراجعة شجاعة؛ فإما إصلاحها إصلاحاً جذرياً من ساسها إلى رأسها، أو الانسحاب منها، فهي بصورتها الحالية مؤسسة تستنزف الثروات ولا تقدم سوى اللاشيء.
شخصياً، أرى أنه قد آن الأوان لدفن هذا الهيكل المتداعي. ويجب البحث عن صيغ تحالفية حديثة تستوعب المعطيات الجديدة والعالم الذي يتشكل حول المنطقة العربية، بعيداً عن أطلال جامعة حنجورية فقدت آخر ما تبقى لها وهو لسانها. لم يعد يربطها بالواقع سوى لافتة نحاسية على مبنى عتيق في قلب القاهرة.
