... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
38477 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7690 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

فيلم "معركة تلو الأخرى".. تيه الفرد وقدسية المقاومة في مأزق الليبرالية

العالم
هسبريس
2026/03/28 - 01:00 501 مشاهدة

الكاميرا بوصفها مِبضعًا للروح

حينما تبلغ السينما المعاصرة ذُرى الاشتراط الإبداعي، فهي لا تكتفي بالسرد فحسب، بل تتحول إلى مرآة صقيلة “تتشظى” عليها انكسارات النفس البشرية أمام التحولات الحضارية الكبرى، وما يترتب عليها من تبعات وخيمة تمس الإنسانية وقيمها النبيلة. ويفرض فيلم “معركة تلو الأخرى” (كتابة وإخراج Paul Thomas Anderson، بطولة Leonardo DiCaprio) نفسه، منذ الوهلة الأولى، بوصفه “نسيجًا” سينمائيًا نادر التعقيد، يُخضع المشاهد اللبيب لتشريح مجهري لأزمة معنى الوجود في مجتمع يعيش عصر “الإقطاع الرقمي”. ويسمو المخرج – مدفوعًا برؤية استبدادية للصورة – بالإطار المكاني ليجعل منه فاعلاً دراميًا قائمًا بذاته، ومعمارًا للاضطهاد يكتم أنفاس شخوصه.

ويتجاوز طاقم التمثيل، بقيادة أداء باهر، مجرد التجسيد ليتحول إلى نوع من الحالة الوجودية. وينتهج البطل منهجية “اقتصاد الأداء”، حيث تغدو الصموتُ أبلغ من الكلمات، تاركةً لنظراته المهمة الجسيمة في تلاوة تراتيل الخيبات المتراكمة. وتعيد هذه المقاربة الإخراجية – التي تُؤثر لقطة المشهد (Plan-séquence) وعمق المجال بحصافة ودقة متناهية – الاعتبارَ لقدسية الكادر في مواجهة التلوث البصري الرقمي.

بحثًا عن اللوغوس المفقود

ويقتضي إدراك جوهر هذا العمل الاستلهامَ من “التحليل المقدس” (Sacred Analysis)، وهو تيار نقدي أنجلو-أمريكي وأوروبي يتعامل مع الفيلم لا كمنتج تجاري، بل كـ”نص لاهوتي دنيوي”. وهنا، يسبر شريط الفيلم أغوار جوهر الروح البشرية في عالم فَقَدَ سحره.

وتكشف هذه المقاربة أن “المعارك” التي يخوضها البطل ليست مادية بقدر ما هي ميتافيزيقية، فهي تشكل “طقسًا تعبديًا يوميًا” لمحاولات مجهضة تبتغي إرساء اتصال أصيل مع الآخر ومع الذات. وكما يؤكد ورثة “أنطولوجيا الصورة” في المدرسة الأوروبية، يعيد الفيلم للزمن السينمائي بُعده الداخلي. ويذوب الفرد هناك في بوصلة حيث تصطدم الرغبة في المطلق بمادية صلبة وجافة، تتحول الكاميرا آنذاك إلى أداة “تطهيرية” (Cathartique)، تكشف زيف الواقع لتنبش عن الحقيقة العارية للوجود، في ظل مجتمع ليبرالي متطرف بلغ حد ضياع الأرواح والعقول.

تيهٌ هايدغريٌّ في غابة الإسمنت

ويتحرك بطل “معركة تلو الأخرى” ككائن “تائه” بالمعنى الهايدغري للكلمة (وهو باختصار، التيه بلا بوصلة في عوالم التقنية، مع نسيان السؤال الجوهري حول معنى “الوجود”). فهو ليس مجرد ساكن في مدينة كبرى، بل كينونة-هنا (Dasein) يختبر ثقل الوجود كعبء أنطولوجي. ويجسد الفيلم هذا التيه من خلال رحلات ليلية طويلة ومشاهد صمت سحيق في “لا-أمكنة” الحداثة (محطات المترو، ردهات المطارات)، حيث تذوب الهوية الفردية في مجهولية الحشد. يطرح الفيلم سؤالاً فلسفيًا حارقًا: كيف يمكن للذات أن تصيغ معناها الخاص وهي مختزلة في مجرد متغير إحصائي في معادلة الإنتاج؟

ويهرب البطل من معركة لينغمس في أخرى، بعيدًا عن الملاحم الغربية البطولية الغابرة، إنها صراعات “الرغبات المحبطة” والتطلعات الموءودة، وبحث عن اليقين في عالم “سائل” وحداثة بلا روح، لا يعدو الفرد فيها كونه صرخة مكتومة في فراغ شاسع، يحاول لملمة شظايا ذاته التي بعثرتها ضرورات الحياة المعاصرة.

الأزق الليبرالي وسحق النُّبُل

يغمرنا الفيلم بعد ذلك في تشريح سوسيولوجي عميق للمجتمع الليبرالي الغربي، فهو يكشف التناقض الصارخ بين الشعارات الإنسانية في المجتمع الحديث (الحرية، الفردانية، الحقوق غير القابلة للتصرف…) وبين واقع نظام “يطحن” الإنسان ويسلّع نبالته الداخلية. ويظهر الاغتراب المؤسساتي في المشاهد التي تدور داخل الهياكل البيروقراطية، كاشفةً عن سطوة نظام يدعي حماية الفرد بينما يجرده من إنسانيته. ويفضح الفيلم كذبة الرفاه التكنولوجي، إذ يعاني البطل من وحدة قاسية رغم انتشار أدوات التواصل. وتلتهم المنطق الرأسمالي كل ما هو غريزي أو نبيل (تشيئ الروح)، مستبدلاً إياه بعقلانية الأداء والمنافسة الشرسة، ومن هنا جاء عنوان الفيلم: معركة تلو الأخرى.

وباختصار، يرسم المخرج صورة لمجتمع يدوس القيم الأخلاقية باسم الكفاءة – ولمصلحة مَن؟ – وفي هذا الكون، تغدو نبالة الروح عائقًا، والصدق ثغرة، ويُشخّص البحث عن المعنى كاضطراب نفسي يُعالج بالعقاقير الطبية بدلاً من الفلسفة، تلك الفلسفة التي تجد نفسها، كما في فيلم “الأزمنة الحديثة” لشارلي شابلن، منخرطة في معركة متجددة ضد “الميديوكراتية”، والعفوية “المصنعة”، وضراوة الروح الإقطاعية-التقنية الجديدة.

فلسفة الظل والنور

وترتكز البنية البصرية للفيلم على “التضاد الضوئي” (Clair-obscur) الذي يرمز للانقسام الداخلي للشخصية. وتطغى الألوان الباردة (الأزرق الفولاذي، والرمادي الإسمنتي) على تسلسلات العمل والفضاء العام، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي. وعلى العكس من ذلك، تتسلل لمسات من الدفء اللوني في لحظات التأمل، كبقايا “نور إلهي” أو إنساني يحاول البطل جاهدًا استبقاءه.

ويأتي استخدام “الفضاء السلبي” (Negative Space) – الذي يوظف الفراغ لرواية شيء ما خلافًا للتكوين الكلاسيكي الباحث عن التوازن – استخدامًا باهرًا. غالبًا ما يُقصى البطل إلى زاوية من الكادر، تاركًا مساحة شاسعة من الفراغ تحيط به. يوحي ذلك بأن الفراغ هو الحقيقة الملموسة الوحيدة، وأننا لسنا سوى عابرين في صمت الكون. تتلاقى هذه الجمالية مع ما تطلق عليه النقدية الأوروبية “سينما الصمت الوجودي”، حيث تكتسب الصورة سيادة مطلقة على الكلمة – وهو أمر نادرًا ما يُستخدم في أفلامنا!

الصراع بين الشعار والممارسة: التدمير الذاتي المبرمج

ويحدث “الذروة الفلسفية”، أو العقدة الأخلاقية للسرد، حينما يدرك البطل أن “حريته” الظاهرية ليست سوى سجن بقضبان غير مرئية. فترفعه الشعارات إلى مرتبة “سيد مصيره”، بينما تحطه الممارسة إلى مجرد “تِرْس في الماكينة”. يظهر هذا التناقض جليًا في الحوارات الجوفاء مع ممثلي النظام الاجتماعي، حيث تعمل رطانة “التنمية الذاتية” كطلاء لستر بشاعة الاستغلال.

ويُظهر الفيلم، مستلهِمًا أطروحات مدرسة فرانكفورت، كيف يستحيل الإنسان كائنًا “ذا بُعد واحد” (حسب هربرت ماركوز). مع ذلك، تكمن الجمالية في “المقاومة السلبية” للبطل. فباختياره للتيه، يرتكب فعلاً ثوريًا ضد مجتمع يفرض الوضوح والمنفعة والإنتاجية مع ضمان حرية وهمية للجميع.

مَعنىً ما وراء الهزيمة

وينتهي فيلم “معركة تلو الأخرى” دون تقديم حلول تعزية أو كاذبة. بل يؤكد أن المعنى ليس وجهة نهائية، بل هو فعل المقاومة ذاته. ويتركنا الفيلم على صورة البطل وهو يسير نحو أفق مجهول (نستحضر مرة أخرى لشارلي شابلن في “الأزمنة الحديثة”)، مذكرًا بأن الوجود الفردي سيواصل الكفاح، معركة تلو أخرى، ليس من أجل النصر النهائي، بل لكيلا يستسلم للعدمية التي تفرزها الحداثة.

ويعد فيلم “معركة تلو الأخرى” صرخة جمالية – بالمعنى البنيوي للكلمة – ضد عالم/مجتمع حديث فقدَ بوصلته الأخلاقية. ويثبت الفيلم أن الفن السابع لا يزال قادرًا على إنتاج تحليل مقدس للواقع، يجمع بين دقة علم الاجتماع، وعمق الميتافيزيقا، وروعة الشكل. ويظل الفرد هناك، رغم كل شيء، هو المركز العصبي للبحث عن نبالة ضائعة تحت عجلات حداثة سائلة ولا ترحم.

The post فيلم "معركة تلو الأخرى".. تيه الفرد وقدسية المقاومة في مأزق الليبرالية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤