في زمن الحرب: من يقرّر في لبنان؟
غفران عبد الكريم جنيد
ليست الحروب مجرد مواجهاتٍ عسكرية، بل لحظات حاسمة تُختبر فيها الدول من الداخل قبل الخارج. وفي لبنان، حيث تتداخل التوازنات السياسية مع واقع المواجهة مع إسرائيل، يعود السؤال الأكثر حساسيةً إلى الواجهة: من يملك القرار؟
لا يبدو المشهد السياسي متماسكاً بالقدر الذي تفرضه لحظة الحرب. تعدّد المواقف لا يعكس تنوّعاً ديموقراطياً بقدر ما يكشف غياب مرجعيةٍ واضحة للقرار السيادي. وفي وقتٍ يفترض أن تكون فيه الدولة هي الإطار الناظم لكل الخيارات، يبرز التباين في تحديد من يقرّر، وكيف، وتحت أي سقف؟
الحرب، في جوهرها، قرار سياسي قبل أن تكون فعلاً عسكرياً. وهذا القرار، في الدول المستقرة، يخضع لمنظومةٍ دستورية واضحة تحدّد المسؤوليات وتضبط المسار. أما في الحالة اللبنانية، فإن هذا الوضوح لا يزال موضع تساؤل، ما يفتح الباب أمام قراءاتٍ متضاربة لموقع الدولة وحدود دورها.
الخطاب السياسي القائم اليوم يتأرجح بين التأكيد على أولوية المواجهة، والدعوة إلى ضبطها ضمن اعتبارات الدولة. غير أن هذا التأرجح لا ينتج موقفاً جامعاً، بل يعمّق الإرباك في لحظةٍ تتطلب أعلى درجات الوضوح السياسي.
في زمن الحرب، لا يكفي إعلان المواقف، بل يصبح تحديد المرجعية أمراً حاسماً. فغياب إطارٍ سياسي موحّد لا يضعف القدرة على إدارة المواجهة فحسب، بل يطرح إشكاليةً أعمق تتصل بطبيعة القرار السيادي نفسه.
لبنان اليوم ليس أمام اختبارٍ عسكري فحسب، بل أمام اختبار سياسي بامتياز:
هل القرار في هذه المواجهة واضح ومحدّد ضمن مؤسسات الدولة، أم أنه موزّع بين توازنات لا تخضع لمرجعيةٍ واحدة؟
الإجابة على هذا السؤال لا تندرج في خانة الجدل النظري، بل تمسّ جوهر السيادة.
وفي لحظةٍ كهذه، لا يعود الغموض تفصيلاً، بل يتحوّل إلى عبءٍ سياسي لا يمكن تجاهله.





