في مئويته.. عبد الله واد “نديومبور” لا يشيخ
ارتدى الرئيس الأسبق عبد الله واد زيا سنغاليا تقليديا، وخرج إلى عائلته التي كانت تنتظره في البهو للاحتفاء بعيد ميلاده المائة، بعد مسيرة قضاها معظمها مناضلا في صفوف المعارضة، مناوئا لنظام الحزب الواحد الذي كان قدره أن يسقطه سنة 2000.
يجلس “غورغي”، أي “الشيخ” بالأولوفية، على كرسي وثير، ويطفئ الشمعة المائة وسط تصفيق أبنائه وأحفاده وابتساماتهم، في مشهد احتفالي يطغى عليه دفء العائلة وامتداد ذاكرة طويلة من العمر داخل الأسرة
لم يشغل العيش عمراً مديداً يوماً عبد الله واد، كما لم يكن هاجسه “الموت”، إذ ظل يكرر أن العمر لا يطرح مشكلة في عائلته، يقول “والدي توفي عن عمر 101 عام وقد شارك في الحرب العالمية الأولى، وجدتي توفيت عن 121 عاما. في عائلتنا نعرف طول العمر. لكنني مسلم، وأعلم أنني قد أرحل في أي لحظة. وأعلم أنني فعلت الكثير من الخير على هذه الأرض، ولذلك سأذهب إلى الجنة”.
ويتفق السنغاليون على أن واد سياسي محنك، ارتكز مساره النضالي على سلاح الصبر في معاركه ضد سنغور وعبدو ديوف؛ وفي كل مرة كان خصومه يعتقدون أنه انتهى سياسيا، يفاجئهم بدهائه وقدرته على المناورة حتى في أحلك أيامه السياسية، ثم ينقض على “الفريسة” كما فعل سنة 2000 عندما فاز في الانتخابات الرئاسية بعد أربع محاولات فاشلة.
الطفل المدلل
ولد عبد الله واد في 29 مايو 1926 بمدينة سان لويس، في أسرة تمارس التجارة وتُصنَّف ضمن العائلات الميسورة، فلم يختبر شظف العيش، بل نشأ في كنف أسرة أغدقت عليه العطف والرعاية إلى جانب الثراء المادي.
درس في مدرسة دوفال في سان لويس، ثم في مدرسة ويليام بونتي قرب داكار، وأبان خلال مساره الدراسي عن ذكاء لافت مكّنه من التفوق، والحصول على منحة للدراسة في ثانوية كوندورسيه بباريس، حيث نال شهادة البكالوريا سنة 1950.
مثّلت فترة دراسته في فرنسا بداية تشكّل وعيه ونضجه السياسي المناهض للاستعمار الفرنسي، فانخرط في الاتحاد العام لطلبة غرب أفريقيا، الذي شكّل مدرسة لعدد من قادة أفريقيا المستقبليين مثل ألفا كوندي، وإبراهيم بوبكر كيتا، ولوران غباغبو، وغيرهم.
واصل مساره الأكاديمي في الرياضيات والفيزياء والقانون والعلوم الاقتصادية والآداب، وحصل على شهادات من جامعات السوربون وبيزانسون وديجون وغرونوبل.
محام تكنوقراطي
اختار عبد الله واد العمل في المحاماة، ومنها اكتسب قدرة لافتة في الخطاب والإقناع، فكان مفوها قادرا على تطويع القانون لخدمة موكليه، وهو ما سيغدو لاحقا أحد أسلحته في معاركه السياسية.
عُيّن في مايو 1958 محاميا لدى محكمة الاستئناف ومحاكم أفريقيا الغربية الفرنسية، وسرعان ما اكتسب سمعة بارزة كمرافِع قوي داخل قاعات المحاكم.
خلال هذه الفترة، لم يُعرف عن واد أي نشاط سياسي أو نضالي، إذ انشغل بمهنة المحاماة التي تفرغ لها، وبالقضايا التي كان يتولاها، قبل أن يتحول أحد الملفات إلى نقطة انعطاف في مساره نحو السياسة.
في سنة 1962، طُلب من عبد الله واد الدفاع عن رئيس الوزراء مامادو ديا، الذي اتهمه ليوبولد سيدار سنغور بتدبير محاولة انقلابية، ليُحكم عليه بالسجن المؤبد. ووصف واد هذا الحكم بأنه “جائر”.
وقال المحامي عبد الله واد إن هذا الحكم “لم يكن عادلا وقاسيا، وجعلني أشعر بالمرارة.. لم يكن ديا ينوي تنفيذ انقلاب”، على حد تعبيره
نديومبور
زرعت محاكمة مامادو ديا بذرة النضال في واد، وكشفت له ما كان يسميه حجم “الظلم” و”الفساد” في نظام الحكم، الذي نعته بحكم الفرد، فبدأ يهاجم سنغور وينتقد طريقة تسييره لشؤون الدولة.
أصدر رفقة أربعة من أصدقائه ما سُمّي بـ”بيان 200”، تضمن مقترحات لتحسين أساليب الحكم والإدارة، إلى جانب الدعوة إلى إطلاق سراح رئيس الوزراء مامادو ديا. ولم يحمل البيان لغة مشحونة أو نبرة حادة، بل كان أقرب إلى رسائل ودّ وتوسل موجهة إلى سنغور.

حاول عبد الله واد لقاء سنغور في مناسبات عدة، لكنه كان يفشل في كل مرة، إلى أن اضطر إلى التحايل عبر تقديم نفسه خبيرا في قمة أفريقية عقدت في العاصمة الصومالية مقديشو، ضمن مجموعة من الخبراء المكلفين بإعداد تقرير حول شروط إنشاء عملة موحدة.
كان هدفه من حضور تلك القمة الحصول على فرصة للقاء الرئيس السنغالي. وقد أيقن أن السياسة تُدار أحيانا بالمكر والمناورة، خصوصا في دول العالم الثالث التي كانت لا تزال بصدد تثبيت أسس الحكم؛ وكان يسعى من خلال اللقاء إلى كسب ثقة سنغور والحصول على ترخيص لتأسيس حزب سياسي.
قدّم واد ضمانات للرئيس بأن الحزب سيكون داعما له وللنظام الاشتراكي وليس معارضا له، فاقتنع سنغور بكلام المحامي، ولم تنكشف له الخدعة إلا لاحقا، عندما مازحه بإطلاق لقب “نديومبور”، أي “الأرنب الماكر” بالأولوفية.
سياسي جريء
أسس الحزب “الديمقراطي السنغالي”، واستقطب آلاف الشباب الساخطين على الطبقة السياسية الحاكمة، وعلى حالة الجمود التي كانت تعانيها البلاد في ظل نظام الحزب الواحد.
خاض الانتخابات التشريعية سنة 1978، فحصل الحزب على 17 مقعداً من أصل 100، ودخل واد لأول مرة إلى البرلمان نائباً عن حزبه.
اعتُبرت نتائج تلك الانتخابات مشجعة له للمضي قدماً في الترشح للانتخابات الرئاسية، ومنافسة زعيم الاستقلال سنغور، وهي خطوة اعتُبرت آنذاك “شجاعة” و”مغامرة”.
حصل المرشح واد في الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 1978 على 18 في المائة من الأصوات، مقابل 82 في المائة لصالح سنغور.
كسر العظام
تنازل الرئيس المؤسس عن السلطة، وصعد عبدو ديوف في يناير 1981 إلى سدة الحكم، لتتحول فترة حكمه إلى مواجهة مفتوحة مع عبد الله واد، استخدم فيها كل طرف أدواته. وكانت معركة سياسية بامتياز بين رئيس يمثل امتداداً للمؤسسين، ومعارض يدعو إلى القطيعة مع الماضي، ويحمل خطاباً حماسياً يلامس وجدان الشباب السنغالي الطامح إلى التغيير.
نافس واد ديوف في أربع انتخابات أعوام 1983 و1988 و1993، وفشل في إسقاط النظام، إلى درجة أنه تسلل إليه اليأس في أكثر من مناسبة، وأيقن أن الحزب الاشتراكي لا يُهزم بسهولة.

دخل السجن بعد الانتخابات الرئاسية عام 1993، على خلفية أعمال شغب شهدتها العاصمة السنغالية داكار، وأدت إلى مقتل ستة من رجال الشرطة بعد حرق مركبتهم. وكان عاماً صعباً ومضطرباً في السنغال.
أضرب واد عن الطعام داخل السجن احتجاجاً على توقيفه، ما شكّل ضغطاً على الحكومة، التي أفرجت عنه بعد خمسة أشهر في محاولة لتهدئة الساحة السياسية.
وفي خطوة مفاجئة بعد أشهر من خروجه من السجن، قبل عبد الله واد الدخول في الحكومة، فعينه ديوف وزير دولة، وهو ما شكّل صدمة في الأوساط السياسية والإعلامية، ووجهت له انتقادات لاذعة، متهمين إياه بالتخلي عن مناصريه بقبول منصب حكومي. لكن “نديومبور” كان يخطط لخطوة سياسية محسوبة، كما عُرف بدهائه.
تخلى عن منصبه الوزاري بعد عامين، وشارك حزبه في الانتخابات التشريعية عام 1998، معتقداً أنها الفرصة لتوجيه ضربة للحزب الاشتراكي الذي كان يهيمن على الأغلبية البرلمانية.
عزلة فرساي
خرج واد من هذه الانتخابات منهكا سياسيا، وقد بلغ به اليأس ذروته إزاء ما كان يرفعه منذ بداية ممارسته السياسية من شعار “التغيير”، الذي بات يراه مستحيلا. فما كان منه إلا أن حزم حقائبه، وغادر رفقة زوجته إلى قصره في فرساي، بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس.
كانت إقامته في قصره فرصة لالتقاط الأنفاس ومراجعة مساره السياسي، وتقييم جوانبه السلبية والإيجابية، وفي كل مرة كانت تطفو إلى ذهنه عبارة “الخاسر دائماً”، حتى كادت تلازمه في عزلته التامة بفرساي.

أما في داكار، فقد كان الاشتراكيون مرتاحين لعزلة واد، إذ لم يعد يشكل منافسا لهم في الانتخابات، وأصبح غيابه عن الساحة السياسية بمثابة انتصار لهم على محامٍ شكّل في الثمانينات والتسعينات كابوساً سياسياً مزعجاً.
لكن في تلك الفترة، كان رجل واحد يعمل بصمت ويخطط للانتخابات الرئاسية عام 2000. لم يستسلم الرجل الثاني في الحزب الديمقراطي، إدريسا سيك، رغم غياب الزعيم، بل واصل متابعة ما يجري بدقة في كواليس الحزب الحاكم المناوئ.
لم يكن سيك يقطع الصلة بواد، بل كان يتنقل بين داكار وباريس حاملاً معه مستجدات الساحة السياسية. وكان يشرح لزعيمه أن هناك مؤشرين إيجابيين: أولهما إنشاء مرصد وطني للانتخابات يضمن لأول مرة قدراً من الشفافية في اللوائح الانتخابية، وثانيهما أن الحزب الاشتراكي، الذي حكم منفرداً لمدة 38 عاماً، بدأ يتفكك بعد دخول اثنين من أبرز قياداته، جيبو ليت كا ومصطفى نياس، في حالة تمرد على الرئيس عبدو ديوف.
اقتنعت قيادة واد بالعودة إلى البلاد لخوض المعركة الكبرى واغتنام ما اعتبرته مؤشرات تصب في مصلحة الحزب، فحطّت الطائرة التي كانت تقله عام 1999، واستُقبل من طرف مئات الآلاف من أنصاره في المطار، وهم يرددون شعاره الشهير “التغيير”.
إسقاط ديوف
شكّل مع أحزاب سياسية وقيادات معارضة تحالفاً مشتركاً يُدعى “بديل 2000”، يهدف إلى إسقاط ما يُسمّى “دولة الحزب الاشتراكي” وإحداث تحول سياسي جذري في السنغال.
لم تكن بداية الألفية الثالثة هادئة في السنغال، إذ كانت البلاد على موعد مع موسم سياسي عاصف سيحدد ملامحها في القرن الجديد، في مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات؛ ففوز ديوف كان يعني دخول البلاد في دوامة من العنف والأزمات السياسية، فيما كان وصول واد إلى السلطة يمثل بداية مرحلة جديدة من التناوب السلمي على الحكم.
حوالي الساعة العاشرة مساء من يوم الأحد 19 مارس 2000 في داكار، بدأت الشوارع تمتلئ تدريجياً، فيما كانت هتافات “التغيير” تتعالى على نحو متزايد.
كان المراقبون يدركون أن فوز المحامي عبد الله واد قد حُسم فعلياً، وقد بدت النتائج محسومة لكنها جاءت كاسحة: 58.5% مقابل 41.5%.
وهكذا، تمكن المعارض التاريخي، البالغ من العمر 73 عاماً، من الفوز بالانتخابات الرئاسية على حساب عبدو ديوف، الذي ظل في السلطة لما يقارب عشرين عاماً.
وفي المقابل، ساد الهدوء القصر الرئاسي، حيث كان الرئيس عبدو ديوف على اتصال مستمر بوزير داخليته الجنرال لامين سييس، الذي كان يبلغه تباعاً بالنتائج غير المواتية، قبل أن ينعزل في صم ت طويل.

وفي صباح 20 مارس، تحقق ما كان غير متوقع؛ ففي الساعة العاشرة والنصف، وبعد ليلة طويلة من التفكير، اتصل عبدو ديوف بعبد الله واد وهنأه بفوزه.
وخلال فترة حكمه، أطلق الرئيس السنغالي مشاريع كبرى مثل الطريق السريع على كورنيش داكار، والمطار الدولي الجديد في ديامنياديو، وطريق داكار–ديامنياديو السريع وغيرها. غير أنه تبنّى أيضاً مشاريع اعتبرها خصومه ذات طابع استعراضي، مثل “نصب النهضة الإفريقية”، الذي افتُتح في أبريل 2010 في داكار، وهو تمثال من البرونز والنحاس بارتفاع 52 متراً يطل على المحيط الأطلسي، واتُّهم على إثره بـ”الميل إلى المبالغة وإظهار العظمة”.
الرقصة الأخيرة
في فبراير 2012، وفي سن 85 عاماً حسب الرواية الرسمية، عاد «غورغي» (الشيخ بالأولوفية) إلى السباق الرئاسي لولاية ثالثة. وفي الجولة الأولى حصل على 34.8% من الأصوات، ليواجه في الجولة الثانية منافسه ماكي صال، الذي حصل على 26.5%، مدعوماً بتحالف واسع من قوى سياسية أخرى.
وفي مساء 25 مارس، وقبل إعلان النتائج النهائية، وكما فعل عبدو ديوف معه من قبل، أجرى واد مكالمة هاتفية مع ماكي صال قائلاً: «الأمور تتضح، ستفوز، أهنئك». وجاءت النتيجة النهائية واضحة: 65.8% لماكي صال مقابل 34.2% لواد.
وكان رفض فكرة التوريث أحد أسباب خسارته للسلطة، وبعد اعتقال كريم واد عام 2013 بدا الأب متأثراً بشدة بما واجهه ابنه، ليغادر لاحقاً إلى قطر عام 2016.
ورغم الجدل الذي يحيط بمسيرته السياسية، لا يزال الرجل يتمتع بشعبية واسعة بين السنغاليين، الذين يحفظون له أنه أول معارض يصل إلى السلطة عبر التناوب السلمي، قبل أن يغادرها بعد أن قال السنغاليون في الاقتراع: “اثنا عشر عاما تكفي يا نديومبور”.





