في موسم «فتك الورد».. سرٌّ لا يعرفه كثيرون عن الحرفة الأقدم في الجبل الأخضر
حصريٌّ لـ«الصحوة» – مع أول خيوط الفجر في قرى ولاية الجبل الأخضر، يبدأ المشهد الذي ينتظره الأهالي كل عام. سلال من سعف النخيل تمتلئ بزهور حمراء قُطفت للتو، وأيادٍ خبِرت المهنة جيلاً بعد جيل تنشغل بما يُعرف محليًا بـ«فتك الورد»، حيث تُقطف الزهور في وقت مبكر حفاظًا على زيوتها العطرية قبل أن تلامسها حرارة الشمس. هنا، لا يُعدّ الورد مجرد نبات موسمي، بل بداية حكاية طويلة تنتهي بقطرة ماء ورد تُختزل فيها طبيعة المكان وذاكرته.
يحلّ أبريل ذروةً لموسم الورد، بعد أن تكون الأشجار قد خضعت لأعمال التقليم في الشتاء، واستعدّت للتزهير مع اعتدال الطقس. وبين المدرجات الزراعية المعلّقة على سفوح الجبل، يتوزع الأهالي منذ الصباح الباكر لقطف الزهور يدويًا، في مشهد جماعي تشارك فيه العائلات وزوار الجبل، حيث تتحول المزارع إلى ورشة عمل مفتوحة، تسبق مرحلة أكثر دقة وتعقيدًا: التقطير التقليدي.
في «الدهجان»، وهو المبنى الطيني أو الحجري المخصص لهذه العملية، تبدأ رحلة التحول. توضع كميات كبيرة من الورد الطازج داخل «البرمة» الفخارية، ثم تُشعل النار بالحطب أسفلها، في تقليد حافظ على حضوره رغم دخول وسائل حديثة. ومع ارتفاع الحرارة تدريجيًا، تبدأ الزهور بإطلاق بخارها العطري، الذي يصعد إلى الأعلى ليصطدم بسطح معدني أبرد، غالبًا من النحاس، فيتكثف ويتحوّل إلى قطرات ماء تُجمع بعناية في أوعية مخصصة.
تستغرق هذه العملية ساعات لكل دفعة، لكنها تقوم على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في تفاصيله: تبخر ثم تكثف. غير أن الحرفيين يدركون أن السر لا يكمن في الفكرة بقدر ما يكمن في تنفيذها؛ فالنار يجب أن تكون هادئة، والوقت محسوبًا، والورد طازجًا، وكل خلل بسيط قد يؤثر في جودة الناتج.
ولا تنتهي الحكاية عند خروج ماء الورد من جهاز التقطير، بل تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية. يُترك السائل ليستقر لأسابيع، حتى تترسب الشوائب في قاع الإناء، ثم يُنقل إلى أوعية فخارية تُعرف بـ«الخرس» ليُخزن فيها لفترة قد تمتد إلى ثلاثة أشهر. خلال هذه المدة، تتماسك خصائصه، وتزداد رائحته ثباتًا، ويكتسب لونه المائل إلى الأحمر الخفيف أو الذهبي، وهي علامات يُميز بها أهل الخبرة جودة المنتج.
ورغم دخول تقنيات حديثة تعتمد على أجهزة معدنية ووقود مختلف، إلا أن كثيرًا من الأهالي لا يزالون يفضلون الطريقة التقليدية، معتبرين أنها الأقدر على حفظ روح الورد ونقله كما هو. فالفخار، والنار الهادئة، والزمن الطويل، كلها عناصر يرونها جزءًا من الوصفة التي لا تُكتب، بل تُورث.
ويمتد حضور ماء الورد العُماني إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فيُستخدم في القهوة، والحلويات، والعطور، وحتى في المناسبات الاجتماعية، ما يجعله منتجًا يتجاوز كونه سلعة إلى كونه عنصرًا من الهوية الثقافية. كما يشكّل الموسم موردًا اقتصاديًا مهمًا للأهالي، ويجذب الزوار الراغبين في مشاهدة هذه الحرفة عن قرب.
في الجبل الأخضر، لا تُقاس جودة ماء الورد فقط برائحته أو لونه، بل بالقصة التي يحملها؛ قصة تبدأ بـ«فتك الورد» عند الفجر، وتمر عبر النار والفخار، وتنتهي بقطرة تحمل في داخلها ملامح المكان، وصبر الإنسان، وإرثًا لا يزال يُقطّر… كما كان دائمًا.




