في حوار “البلاد” مع عضو مجلس الشورى الاقتصادي رضا فرج: التأثيرات الاقتصادية حاضرة بقوة.. ودعوة لمراجعة دقيقة وشاملة لكل القطاعات الاقتصادية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
التوازن المالي وتنويع الاقتصاد.. خريطة البحرين لعبور المرحلة الصعبة
تعزيز الإنتاجية وتوجيه الاستثمار للقطاعات الواعدة هو الطريق لاستدامة النمو
نحن أمام “صدمة مركبة” لا تقتصر على بعدها العسكري ولها أبعاد متعددة
هل نحتاج إلى قراءة معمقة لطبيعة المرحلة الراهنة إثر الاعتداءات الإيرانية الغاشمة؟ وهل نكتفي بـ “زاوية الأحداث”؟ أم نوسع النظرة لتشمل تداعيات شاملة على الاقتصاد والمجتمع؟
الأحداث والوقائع لم تعد عابرة أو محدودة الأثر، بل أصبحت مركبة ومتداخلة، تفرض على الدول مراجعة سياساتها وإعادة ترتيب أولوياتها، والبحث عن نماذج أكثر مرونة واستدامة. وفي هذا السياق، يكتسب الحوار مع عضو مجلس الشورى الاقتصادي رضا فرج أهمية خاصة لفهم المشهد واستشراف ملامح المستقبل، خصوصًا في مملكة البحرين التي تمضي بخطى متوازنة بين الحفاظ على الاستقرار ومواصلة مسيرة التنمية.
صدمة مركبة وتحديات غير مسبوقة
أمام مشهد مضطرب ومقلق، تتعدد التحليلات والرؤى، لكن كيف يصف رضا فرج طبيعة المرحلة الحالية في ظل ما تشهده المنطقة؟
نحن أمام ما يمكن تسميته بـ “صدمة مركبة”، لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد لتشمل أبعادًا اجتماعية ونفسية وصحية؛ ما يجعلها من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديث؛ فالتأثيرات لا تقف عند حدود الاقتصاد أو الأمن، بل تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض واقعًا جديدًا يتطلب وعيًا جماعيًّا وقدرة عالية على التكيف مع متغيرات متسارعة وغير تقليدية.
ومع ذلك، فإن تجربة مملكة البحرين عبر العقود تؤكد قدرتها على التعامل مع مثل هذه التحديات بروح مرنة ورؤية استباقية؛ إذ اعتادت تحويل المحن إلى فرص، والأزمات إلى محطات لإعادة البناء والتطوير؛ فالبحرين لم تكن يومًا بمعزل عن الأزمات الإقليمية أو العالمية، لكنها استطاعت في كل مرة أن تخرج منها أكثر تماسكًا وصلابة، مستندة إلى قوة مؤسساتها، وتلاحم مجتمعها، ومرونة سياساتها.
صحيح، لكن الخروج من الأزمات يستند إلى خطوات أليس كذلك؟
بالتأكيد؛ فهذه المرحلة، على رغم قسوتها، يمكن أن تشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وتعزيز الاعتماد على الذات، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والإنتاجية، كما أنها تدفع نحو الابتكار في الحلول، وتبني نماذج أكثر استدامة في الإدارة والتنمية.
ودعني أقل إن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الأزمة، بل في كيفية التعامل معها، وهنا تبرز البحرين كنموذج قادر على تحويل الضغوط إلى دوافع للنهوض، مستفيدة من خبرتها التراكمية وإرادتها المستمرة في التقدم، بما يعزز ثقة الداخل والخارج في قدرتها على تجاوز هذه المرحلة بثبات واقتدار.
تأثيرات ممتدة وليست مؤقتة
هي مرحلة صعبة حقًّا، لكن ماذا عن التأثيرات الاقتصادية وتداعياتها؟
التأثيرات الاقتصادية حاضرة بقوة، وهي ليست آنية فقط، بل ستستمر لفترة، لذلك من الضروري أن تبدأ مراجعة دقيقة وشاملة لكل القطاعات الاقتصادية لضمان الاستجابة الفعالة لهذه التحديات.
هل يمكن القول إن السياسات الاقتصادية السابقة كانت كافية؟
السياسات الاقتصادية في السنوات الماضية حققت نتائج إيجابية وأثمرت بشكل واضح، لكن بعض الظروف الخارجية، مثل الأزمات العالمية والحروب، جاءت بعكس التوقعات، لذا نحن بحاجة اليوم إلى البناء على تلك النجاحات مع تحديث الأدوات والسياسات.
تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاجية
لذلك نسأل: ما الأولويات الاقتصادية التي يجب التركيز عليها الآن؟
أرى أن الأولوية هي الاستمرار في تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاعات غير النفطية التي أصبحت تشكل أكثر من 50 % من الاقتصاد الوطني. هذا مؤشر مهم، لكن المطلوب هو تعميق هذا التوجه وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية واستدامة.
بما في ذلك التكامل الخليجي؟
نعم بالتأكيد. التعاون الخليجي أصبح ضرورة وليس خيارًا، ويلزمنا أن نفكر ككتلة اقتصادية واحدة، خصوصًا في ظل التحديات الجيوسياسية، ولدينا في دول الخليج إمكانات كبيرة، سواء من حيث الموارد المالية أو الكوادر البشرية المؤهلة، ويمكن استثمارها بشكل أفضل جماعيًّا.
وبودي القول إن البحرين على رغم صغر مساحتها، لكنها ذات تأثير مهم في محيطها الإقليمي، يخفف من حدة الأزمات ويسهم في تهدئة التوترات عبر “حكمة الدور ومرونة التحرك”، إذ تطرح مبادرات متزنة وأفكارًا واقعية تعزز الحوار وتدعم الاستقرار. وبفضل نهجها القائم على الاعتدال والانفتاح وبناء الجسور، استطاعت البحرين أن تكون عنصر توازن في المنطقة، يسهم في تقريب وجهات النظر واحتواء التصعيد، مقدمة نموذجًا لدولة صغيرة بحجمها، كبيرة بأثرها وقدرتها على الإسهام في علاج الأوضاع ودعم مسارات التهدئة.
موارد قوية وبنية متقدمة
هل تمتلك دول الخليج القدرة على تحقيق هذا التكامل؟
بلا شك نعم. إن دول الخليج تمتلك قاعدة سكانية متعلمة وموارد مالية قوية، وبنية تحتية متقدمة، هذه عناصر أساسية لأي نهضة اقتصادية، وإذا تم توظيفها بشكل صحيح، يمكن تحقيق نتائج كبيرة.
لكن ما أبرز التحديات التي تواجه هذا التوجه؟
من أبرز التحديات نقص الكوادر الفنية المتخصصة في بعض المجالات، خصوصًا الصناعية والتقنية، لذلك يجب الاستثمار بشكل أكبر في التعليم والتدريب؛ لسد هذه الفجوة ودعم التحول الاقتصادي.
كفاءة إدارة الدين العام
دعنا نتحدث عن ركن مهم وأساسي.. كيف تنظرون إلى ملف الدين العام؟
إدارة الدين العام في هذه المرحلة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين ضبط المالية العامة والحفاظ على زخم النمو، ولا يمكن تجاهل حجم الدين، لكن الأهم هو كيفية إدارته بكفاءة عبر سياسات مدروسة تضمن الاستدامة دون إبطاء مسار التنمية. وفي هذا الإطار، قطعت مملكة البحرين خطوات مهمة ضمن برنامج التوازن المالي؛ عبر إعادة هيكلة الإنفاق العام، ورفع كفاءة المصروفات، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، بما يسهم تدريجيًّا في خفض العجز، كما أن تحسين كفاءة التحصيل، وتطوير الأنظمة الضريبية بشكل متوازن، يعدان من الأدوات الأساسية لتعزيز الاستقرار المالي دون التأثير في تنافسية الاقتصاد.
ومن الإجراءات المهمة أيضًا، إعادة توجيه الدعم ليصل إلى مستحقيه، مع الاستمرار في حماية الفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويخفف الضغط على الموازنة. وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية إدارة الدين عبر تنويع أدوات التمويل، وإطالة آجال الاستحقاق، وخفض كلفة الاقتراض، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني. ولا يقل أهمية عن ذلك، تحفيز النمو الاقتصادي كجزء من حل معادلة الدين، عبر دعم القطاعات الإنتاجية واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص؛ ما يرفع الناتج المحلي ويعزز القدرة على السداد.
باختصار، التوازن المالي لا يعني التقشف بقدر ما يعني إدارة ذكية للموارد، تقوم على الانضباط المالي بالتوازي مع تحفيز النمو، بما يحقق استدامة اقتصادية ويعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد البحريني.
الأزمات فرصة لترتيب الأولويات
كيف ترون المستقبل في ضوء هذه المعطيات؟
على رغم التحديات أنا متفائل. هذه الأزمات قد تكون فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الاعتماد على الذات، وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة، خصوصًا عبر تسريع وتيرة دعم الاقتصاد غير النفطي، ولتحقيق ذلك، أرى أهمية العمل على مجموعة من المسارات العملية، أبرزها توسيع الاستثمار في القطاعات الواعدة مثل الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية، والسياحة، والصناعات الخفيفة، بما يعزز التنوع ويخلق فرص عمل نوعية، ومن المهم دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كونها محركًا أساسيًّا للنمو عبر تسهيل التمويل، وتيسير الإجراءات، وتوفير حاضنات أعمال متخصصة.
ومن الضروري كذلك الاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل الجديدة، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والابتكار. وإلى جانب ذلك، يمكن تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية النوعية التي تنقل المعرفة وتدعم الإنتاج المحلي.
إذًا، نصل في الختام إلى تأكيد ضرورة التحول من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المعالجة المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد. وبين التحديات والفرص، تبرز البحرين كنموذج يسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستقرار والتطوير، مستندة إلى رؤية واضحة وإرادة جماعية قادرة على تحويل الأزمات إلى محطات للنهوض وبناء مستقبل أكثر قوة واستدامة.





