في انتظار انتصار الهزيمة

المعتدى والمعتدى عليه، كلاهما ينشدان الانتصار، ولا شيء غير الانتصار، في هذه الحرب العدوانية على إيران وعلى الشرق الأوسط وفلسطين، كأساس انطلاق الشرارة. غير أن الانتصار لا يمكن أن يكون جماعيا ومشتركا، إلا إذا حدثت معجزة تفاهم يأخذ فيها كل طرف جزءا مما يطالب به أو يبتغيه ويرضى بالتنازل عن بقية المطالب. هذا ما يبدو صعبا تحقيقه في ظل العدوان الثنائي، وفي ظل امتداد يد إيران لضرب الجيران من العرب على الضفة الأخرى من الخليج، المتنازع حتى على تسميته بين العرب والفرس.
في ظل عدم قدرة أي طرف على تحقيق نصر شامل الآن، وإعلان طرف آخر الهزيمة والاستسلام، لن يكون الأمر ممكنا إلا عبر مفاوضات جادة تأخذ حق المعتدى عليه ـ أو المعتدى عليهم، بصيغة الجمع، فهم كُثُر، ومنهم القضية الفلسطينية والمسألة اللبنانية والسورية واليمنية ودول الخليج وأمنها المستقبلي ـ على محمل الجِد الدائم والمستدام. لكن هذا المطلب أيضا غير واقعي، في ظل وجود كيان مغروس بالمنطقة، خصيصا لهذا الغرض: التفرقة والأطماع التي لا حدود لها دون جغرافيا هلامية أسطورية تمتد ما بين النيل والفرات. هذه الغدة السرطانية المزروعة في الجسد الإسلامي والعربي، ستكون دوما مصدر الحروب والنزاعات وعدم الاستقرار في ظل هذه الأطماع، وفي ظل وجود إدارة وإرادة سياسية وعسكرية واقتصادية مستعدة أن تنتحر من أجل الربيب الوظيفي المشاغب الذي ينوب عنها في المنطقة. كيان مصطنع، يمثل ذراع الغرب اليمنى وقدمها اليسرى، لبسط الهيمنة على مدخرات المنطقة، نفطا وممرات مائية، تسهل تدفق الدم في شريان الاقتصاد الغربي الأمريكي خاصة.
لهذه الأسباب، لن يكون الحل جاهزا اليوم ولا غدا، فكل طرف ينشد الانتصار المطلق ولا شيء غير ذلك.
الكيان، يرى في هذه الحرب فرصة لا تعوض: فرصة جر إليها الكيان أمريكا جرا ونصبا وضما، من حيث تلاقي المصالح كما تبدو للإدارة الأمريكية الحالية، مع أنها كما قد ستكتشف ذلك لاحقا، أنها كانت مخدوعة ومغررا بها، لصالح مصالح حفنة من شذاذ الآفاق المسكونين بعظمة فارغة ومرض عضال منغرس في الذات اليهودية، منذ مؤامرة الأسباط ضد أخيهم. عقلية تأسست على الدسائس والمؤامرات والاتجار بكل أشكال الربا والحرام وقتل الأنبياء وتكذيبهم والانقلاب عليهم، والتواطؤ مع العدو الروماني والفارسي من أجل مصالح البقاء والاستبقاء على هذه الفئة التي أريد لها أن تكون “شعب لله المختار”.
الكيان المحتل، الذي تسيره اليوم نزوة وغرور القوة الأمريكية الحليفة، بطريقة غير مسبوقة وبلا حدود، يريد أن ينهي المسألة على النحو الذي يراه ضمن رؤيته الأسطورية التوراتية، كما لو أن ترمب هو المنقذ المخلص الذي سيمنحهم القدرة على التمدد في المنطقة، ولو على حساب إضعاف أمريكا، فهذا مطمحهم: القوة الوحيدة التي تبقى في المنطقة هي إمبراطورية الكيان، ليكون العالم كله “مسخّرا” لشعب الله المختار، بمن فيهم الأمريكان والغرب بشكل عام: كل الغوييم. هذه عقيدة يجهر به كثير من حاخاماتهم المتطرفين، وحتى المسالمون منهم يعترفون بذلك.
فالحرب ضد إيران هي حرب وجودية بالنسبة إليهم، حتى إن المتطرفين المتشددين منهم، من الكهنوت والمتدينين، قد رقصوا فرحا وهم يرون تل أبيت تمطر بصواريخ إيران، لأن هذا يعد إعلانا مكشوفا لهم أن موعد “المسيخ” المخلص قد حان.
إيران، بالنسبة إليهم، الأمر وجودي أيضا، لهذا، فهي لا تسعى إلى وقف لإطلاق النار أو هدنة بلا آفاق مستدامة تضمن عدم تكرار العدوان وإزالة التهديد الوجودي لها كنظام سياسي وعقدي.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post في انتظار انتصار الهزيمة appeared first on الشروق أونلاين.

