د. عمر الجيوسي
غزة.. الرقم الذي لا يصمت
في التاسع عشر من أغسطس/آب، يحتفي العالم باليوم العالمي للعمل الإنساني، مستعيدًا قيمة العمل الذي يذهب بأصحابه إلى حيث تتراجع الحياة، ليحملوا إلى ضحايا الحروب الغذاء والدواء والماء والمأوى، وليقفوا إلى جانب الإنسان حين تعجز عنه الدولة والمجتمع وتضيق به سبل النجاة. وتقول الأمم المتحدة إن هذا اليوم مخصص لتكريم العاملين في المجال الإنساني والتضامن مع المتضررين من الأزمات.
لكن غزة تدخل هذا اليوم من الجهة الأخرى للصورة.
فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، ظلت غزة خلال عام 2025 البيئة الأكثر فتكًا بالعاملين في المجال الإنساني للعام الثالث على التوالي، بعدما قتل فيها 186 عاملًا إنسانيًا، من أصل 350 عاملًا قتلوا حول العالم خلال العام نفسه. كما تعرض 907 من عمال الإغاثة عالميًا للقتل أو الإصابة أو الاختطاف.
المغزى هنا لا يكمن في الرقم وحده، بل في دلالته: أكثر من نصف العاملين الإنسانيين الذين قتلوا في العالم خلال عام واحد، سقطوا في غزة.
وهكذا، بينما يرفع العالم في هذا اليوم شعار الإنسانية، ترفع غزة رقمًا آخر؛ رقمًا يقول إن الذين جاؤوا ليحموا الحياة صاروا هم أنفسهم جزءًا من قوائم الموت.
ليست هذه مفارقة لغوية، بل مأساة تتصل بجوهر العمل الإنساني نفسه.
فالعامل الإنساني في غزة لا يتحرك في هامش المأساة، بل في قلبها. يدخل إلى المستشفى، ومركز الإيواء، ومواقع النزوح، ومناطق الدمار، ويحاول الوصول إلى من يحتاج إلى الغذاء والدواء والماء، بينما لا يملك هو نفسه ضمانة العودة.
ولهذا فإن قتله لا يعني فقدان شخص فحسب؛ إنه يعني أيضًا تعطيل يد كانت تمتد إلى آخرين.
حين لا تحمي الراية الأممية أصحابها
ولعل أكثر ما يمنح الأرقام الأممية معناها الإنساني ما كشفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن موظفي المنظمة الذين قتلوا في غزة.
فقد أعلن أن عدد قتلى موظفي الأمم المتحدة في القطاع تجاوز ما فقدته المنظمة في أي نزاع أو كارثة أخرى في تاريخها، مشيرًا إلى أن بعضهم قتل مع أفراد من عائلاته في منازلهم أو أماكن لجوئهم، فيما قتل آخرون أثناء أداء واجباتهم في المكاتب والملاجئ والمجتمعات التي كانوا يخدمونها.
هنا لا يعود الحديث عن عامل إغاثة يسقط أثناء تحرك ميداني محفوف بالمخاطر فقط؛ فالموت وصل إلى أماكن يفترض أنها أكثر أمنًا، وإلى موظفين كانت مهمتهم تقديم الخدمة الإنسانية للسكان.
وقد أشار توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إلى أن أكثر من ألف عامل إنساني قتلوا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، واعتبر ذلك أمرًا «غير مقبول مطلقًا»، محذرًا من أن الاكتفاء بالإدانة لن يحمي العامل التالي.
وهنا تحديدًا تكمن المسافة بين الاعتراف بالجريمة ومنع تكرارها.
فالعامل الإنساني لا يحتاج بعد موته إلى بيان تضامن، بقدر ما يحتاج قبل خروجه إلى مهمة الإغاثة إلى حماية حقيقية. والقانون الدولي الإنساني لا تُقاس قيمته بعدد المرات التي يجري فيها التذكير به، وإنما بقدرته على حماية من يفترض أن تشملهم قواعده.
وفي غزة، تبدو هذه المسافة شاسعة.
بيـان حماس.. نداء في يوم الإنسانية
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، دخلت حركة حماس على خط المناسبة ببيان دعت فيه إلى تعزيز العمل الإنساني لمواجهة تداعيات الحرب على قطاع غزة، وإلى دعم صمود الفلسطينيين، ومواصلة المنظمات الإنسانية عملها وعدم الرضوخ للضغوط التي تعيق وصول المساعدات.
ودعت الحركة الأمم المتحدة والمنظمات العربية والإسلامية والدولية إلى تكثيف برامجها الإنسانية والصحية والتعليمية والإغاثية والتنموية في القطاع، والتحرك لإنقاذ أكثر من مليوني نازح يعيشون، بحسب بيانها، ظروفًا كارثية، إضافة إلى الضغط لإدخال وحدات الإيواء المؤقتة والخيام والمستلزمات الضرورية.
كما اتهمت حماس إسرائيل باستهداف العاملين في المجال الإنساني وموظفي الجمعيات الخيرية، وطالبت المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته السياسية والقانونية والإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
هذه التصريحات، بوصفها موقفًا صادرًا عن حركة حماس، تأتي في سياق سياسي معروف، لكنها في الوقت نفسه تتقاطع مع السؤال الذي تفرضه البيانات الأممية: كيف يمكن للعمل الإنساني أن يؤدي وظيفته في مكان أصبحت فيه الحماية نفسها أزمة؟
واللافت أن بيان الحركة لم يكتفِ بالمطالبة بالمساعدات، بل دعا إلى حماية العمل الإنساني ذاته، وإلى عدم السماح بأن يصبح وصول الغذاء والدواء والإيواء إلى المدنيين رهينة للقيود المفروضة على القطاع.
وهنا تلتقي السياسة بالإنسانية عند نقطة شديدة الحساسية: فالمساعدة لا قيمة لها إذا مُنعت من الوصول، والعمل الإنساني يفقد معناه إذا أصبح العامل الذي يؤديه هدفًا للخطر.
ما وراء الأرقام
الأرقام الفلسطينية تضيف بدورها طبقة أخرى إلى المشهد.
فوزارة الخارجية الفلسطينية كانت قد أعلنت العام الماضي مقتل أكثر من 500 عامل في المجال الإنساني خلال الحرب على غزة. وهذه الحصيلة تختلف في نطاقها الزمني والمنهجي عن رقم «أوتشا» البالغ 186 قتيلًا خلال عام 2025؛ لذلك لا يصح جمع الرقمين أو التعامل معهما بوصفهما إحصاءً واحدًا.
لكن الفارق بينهما لا يلغي الحقيقة الأهم: مقتل العاملين الإنسانيين في غزة ليس حادثة مرتبطة بعام واحد، بل مسار ممتد منذ بداية الحرب.
وقد طالت الخسائر موظفين محليين ودوليين، وموظفي الأمم المتحدة، والعاملين في المنظمات الإغاثية، والطواقم الطبية، في وقت تعرضت فيه المنشآت الإنسانية والطبية لدمار واسع، وتفاقمت صعوبات الوصول إلى السكان، وتراجعت قدرة المؤسسات على أداء مهامها في بيئة تتعاظم فيها الاحتياجات الإنسانية باستمرار.
وخلف هذه الأرقام تقف قصص لا تختصرها الجداول.
من بينها مقتل سبعة من العاملين في منظمة المطبخ المركزي العالمي في أبريل/نيسان 2024، أثناء عودتهم من مهمة لإيصال المساعدات الغذائية. كانوا في غزة من أجل إطعام المدنيين، لكنهم تحولوا هم أنفسهم إلى ضحايا.
وهذه القصة ليست أهم من غيرها لأنها الأشهر، وإنما لأنها تمنح الرقم وجهًا يمكن رؤيته: أشخاص خرجوا لإغاثة الآخرين، فلم يعودوا.
حين تُختبر الإنسانية في غزة
لهذا تبدو غزة أكثر من مجرد رقم متصدر في تقرير أممي.
إنها اختبار لفكرة العمل الإنساني ذاتها.
فإذا كان العامل الذي يحمل الطعام إلى الجائع، والدواء إلى المريض، والمأوى إلى النازح، لا يتمتع بالحماية؛ فكيف يمكن الحديث عن حماية الإنسان الذي ينتظر هذه المساعدة؟
وإذا كانت الإدانة تأتي بعد كل حادثة، بينما تستمر الخسائر، فمتى تتحول المسؤولية الدولية من لغة البيانات إلى فعل يردع ويحمي ويحاسب؟
لقد قالت الأمم المتحدة إن التكنولوجيا قد تتطور، لكن قوانين الحرب لا تتغير. وفي غزة، تبدو المسألة أبسط من ذلك كله: لا يحتاج العالم إلى قانون جديد حتى يعرف أن العامل الإنساني ليس هدفًا، وأن المستشفى ليس ساحة قتال، وأن من يحمل الغذاء إلى المدنيين لا يفقد صفته الإنسانية بمجرد دخوله منطقة حرب.
اليوم العالمي للعمل الإنساني ليس يومًا للاحتفاء بالموتى فقط.
إنه مناسبة للسؤال عن الأحياء أيضًا؛ عن العامل الذي سيخرج غدًا إلى مهمة إغاثة، وعن الطبيب الذي سيدخل المستشفى، وعن السائق الذي سيقود شاحنة الغذاء، وعن الموظف الذي سيذهب إلى مخيم للنازحين.
من سيحمي هؤلاء؟
ذلك هو السؤال الذي تضعه غزة أمام العالم في هذا اليوم.
فغزة تتصدر للمرة الثالثة قائمة الموت بين عمال الإغاثة، بينما الحاجة إلى العمل الإنساني فيها لا تتراجع، بل تتسع.
والمفارقة الأكثر قسوة أن المكان الذي يحتاج إلى اليد الإنسانية بأقصى ما يمكن، هو نفسه المكان الذي تُقتل فيه هذه اليد.
وهنا لا تعود القضية مجرد حماية عمال الإغاثة.
إنها حماية لمعنى أن تبقى الإنسانية ممكنة وسط الحرب.
The post في اليوم العالمي للعمل الإنساني.. غزة تتصدر للمرة الثالثة قائمة الموت بين عمال الإغاثة appeared first on السبيل.





