... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
246210 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7126 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

في الذاكرة جروحٌ لا تندمل

العالم
النهار العربي
2026/04/23 - 09:15 501 مشاهدة

سيروج أبيكيان - مدير مركزMEC affairs

 

 

 

نسير في الحياة كبشرٍ، نعيش ونموت وننتقل، ويبقى الغموض في تحديد الانسان، الانسان المتلقّي والانسان الفاعل. ويكمن هذا الغموض أيضاً حول الخير والشّر، حول الأنا والآخر، حول الأديان والعقائد، ويدفعنا دوماً الى محاولة تحديد أنواع الانسان وأجناس البشر. ولكن، لا بدّ من أن يكون الانسان في البدء ضميراً واعياً فاعلاً بشكل أساسي. فإذ فنجد أنفسنا أمام أسئلة جديدة، ما النفع من ضميرٍ جامد؟ من وماذا يحرّك هذا الضمير؟
في الذاكرة الإنسانية جروح لا تبرأ، وأصوات لا تزال تتردد رغم مرور الزمن. ومن بين أكثر هذه الجراح عمقاً، تبرز الإبادة الجماعية للأرمن كواحدة من أكثر المآسي إيلاماً في التاريخ الحديث، ليس فقط لما حملته من قتل وتهجير، بل لما تركته من أثرٍ وتبعاتٍ حتى يومنا هذا، جماعة تعيشها كل يوم كجزء من تاريخها وحاضرها، وأخرى تنكرها يومياً أيضاً كجزء من تاريخها حاضرها، وجماعات أخرى تعيش أحدى فصولها ضمن تسميات جديدة، وعلى تواريخ متجددة.
لم تكن الإبادة مجرد حدث عابر في زمن الحرب، بل كانت مشروعاً منظماً اقتلع شعباً من جذوره، وشتّت ذاكرته عبر المنافي. عام 1915 تحولت القوافل البشرية إلى مسيرات موت، وتحولت البيوت إلى أطلال فارغة، والطفولة إلى خوف دائم، ودُفعن النساء الى مصيرٍ عادم، والرجال الى صوتٍ مكتوم، ضراخ عذاب لا صدى له. لم يكن الهدف فقط القضاء على الإنسان، بل محو الوجود والهوية معاً.
الوجدان الإنساني يقف عاجزاً أمام مشاهد الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين ساروا في صحارى لا تعرف الرحمة. هنا، لا تعود الأرقام والاحصاءات ذات معنى، لأن كل رقم هو قصة حياة لم تستمرّ، هو حلم لم يكتمل، هو ذاكرة تم اقتلاعها من سياقها الطبيعي. الإبادة ليست فقط قتلاً جماعياً، بل هي كسرٌ لمعنى الإنسانية نفسها.
أما سياسياً، فإن هذه المأساة تكشف الوجه الأكثر قسوة للسلطة عندما تنفلت من أي رادع أخلاقي أو قانوني. لقد شكّلت الإبادة الجماعية الأرمنية سابقة تاريخية لما سيُعرف لاحقاً بمفهوم الإبادة الجماعية، الذي صاغه لاحقاً رافائيل لمكين، في محاولة لوضع إطار قانوني يمنع تكرار مثل هذه الجرائم. ولكن متى التطبيق؟
ورغم مرور أكثر من قرن، لا تزال القضية تعيش في قلب الصراعات السياسية والدبلوماسية. الاعتراف بالإبادة ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو فعل مواجهة مع التاريخ، وإقرار بمسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الضحايا وذويهم. وهنا أيضاً نسأل، هل يمكن التعويل على أخلاق القاتل ووريثه؟
إن إنكار الجريمة لا يقل قسوة عن ارتكابها، لأنه يمدد معاناة الضحايا عبر الزمن الى ما لا نهاية، ويمنع شفاء الذاكرة الجماعية، وتُعتبر جريمة متكررة باستمرار. فالهارب من فعله لا يمحي عنه الجريمة بفعل هروبه، ولايزيل عنه صفة القاتل.
في عالمنا المعاصر، حيث لا تزال النزاعات تشتعل، تفرض هذه المأساة سؤالاً ملحّاً: هل تعلّمت الإنسانية من دروسها؟ أم أنها لا تزال تكرر الأخطاء نفسها بأشكال مختلفة؟ إن استحضار الإبادة الأرمنية ليس استذكاراً للماضي، بل هو تحذير للمستقبل.
تبقى الحقيقة أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط. والذاكرة، مهما حاول البعض طمسها، تبقى أقوى من النسيان، فهي قد ترقد ولكنها لا تموت. فالإبادة الأرمنية ليست فقط قصة شعب، بل هي مرآة تعكس هشاشة الإنسان عندما يفقد إنسانيته ضميره ووجدانه، وقوة الإنسان عندما يتمسك بها.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤