في الصميم.. اللون الأصفر كلغة سيطرة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مرة أُخرى لا يكتفي الاحتلال برسم حدوده بالنار، بل يمضي إلى تثبيت ذلك بصرياً عبر ألوان تتحول تدريجياً إلى جزء من المشهد اليومي، الخط الأصفر في غزة، ثم لاحقاً في جنوب لبنان، ليس مجرد إجراء ميداني، بل هو تعبير عن سياسة تعيد تعريف السيطرة من خلال الرمز قبل القوة، فيصبح معها اللون في حد ذاته إشارة لواقع مفروض، وإنْ لم يكن معلناً، حتى في أراضٍ يفترض أنها ذات سيادة.هذا الاستخدام للون الأصفر يكتسب معناه الحقيقي حين يوضع في سياق أوسع إلى الضفة الغربية، حيث تنتشر البوابات الحديدية الصفراء على مداخل المدن والقرى الفلسطينية، تُفتح وتُغلق بقرار عسكري لحظي، وتؤسس لحالة دائمة من الترقب، لا تتعلق بالمنع بقدر تحويل الحركة ذاتها إلى "امتياز"، ويؤدي اللون وظيفة نفسية، فيصبح إشارة "مألوفة" تختصر منطق السيطرة حتى في غياب الجنود.تاريخياً، لم يكن اللون الأصفر رمزاً دينياً، بل ارتبط في الثقافة الغربية بأدوات التمييز والإقصاء، من فرض الشارات في العصور الوسطى، إلى النجمة الصفراء في القرن الماضي، حيث استُخدم اللون كوسيلة لوسم جماعة وعزلها، أي أنه كان لوناً للإشارة إلى الاختلاف المفروض بالقوة، خلفية لا تعني وجود استمرارية مباشرة، لكنها تكشف عن وظيفة اللون في سياقات معينة مرتبطة بالسلطة.في هذا الإطار، تبرز مفارقة لافتة، فاللون الذي استُخدم تاريخياً لوسم جماعة، يعاد توظيفه اليوم من قبل الجماعة ذاتها كأداة لوسم المكان وأهله، فلا يُفرض على الأفراد فقط، بل يطول الجغرافيا، من بوابات الضفة الغربية إلى خطوط غزة ولبنان، الأمر الذي يُحوّل الجغرافيا إلى شبكة علامات تعيد إنتاج واقع السيطرة بشكل بصري مستمر، وتدفع السكان إلى التكيف مع حدود لم يتم الاتفاق عليها، لكنها تُفرض بالقوة.اختيار الأصفر هنا ليس اعتباطياً، فهو في الثقافة الحديثة لون الإنذار والتنبيه، ما يجعله "مثالياً" لتهيئة القبول النفسي بالقيود، وينسجم مع تقاليد استعمارية سابقة اعتمدت على العلامات البصرية لترسيم النفوذ، حيث تبدأ الخطوط كإجراءات مؤقتة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى واقعٍ دائمٍ أو حدود، وذلك بفعل الزمن والتكرار.غير أن البعد السياسي الأكثر حساسية يظهر في توقيت ذلك، فبعد دعوات ترمب لوقف التصعيد بالقول: "كفى"، أعاد الاحتلال ضبط أدواته دون تغيير جوهر سلوكه، عبر الانتقال من القصف المباشر -الذي يستمر بحدةٍ أقل- إلى فرض خطوط وتحذيرات تخلق واقعاً...





