في اللحظات الحرجة… من يحمي الحاكمية الشيعية في العراق؟
دانا أسعد*
يدخل العراق اليوم مرحلة شديدة الحساسية، في ظل هدنة هشة تطوقها الخروقات والالتباسات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من احتمالات مفتوحة على التصعيد الأمني والعسكري. وبحكم موقعه وتشابكاته السياسية، لا يقف العراق خارج هذا المشهد، بل يجد نفسه في قلب الارتدادات المباشرة.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال متعلقاً بمن يمتلك السلطة في بغداد، وكيف كان أداؤه قبل الحرب وخلالها أو ما قد يحصل بعد هدنة الأسبوعين، بل بكيفية حماية الدولة نفسها من الانزلاق إلى فراغ قد يهدد وجود الجميع، شركاء ومعارضين.
منذ عام 2003، تشكّل في بغداد مركز ثقل سياسي أفرزته توازنات ما بعد صدام حسين. يميل كثيرون إلى تأطير هذا المركز بـ"حاكمية شيعية" انطلاقاً من منظور سياسي ديموقراطي لا طائفي أو مذهبي؛ وبوصفها آلية أفرزت "أخاً أكبر"، يتحمل عبء أن يكون مفصل التماسك وعصب الثبات في العملية السياسية.
إن أي اضطراب يصيب هذا المركز لن يبقى شأناً داخلياً يخص الشيعية السياسية وحدها، بل يتحول إلى أزمة وطنية، تستدعي فوراً التضامن لمنع انهيار هذا المركز.
إن "الحاكمية الشيعية" تواجه ارتباكاً واضحاً وتشتتاً حقيقياً في القرار، وتعدداً في مراكز التأثير بين الأحزاب والفصائل، فضلاً عن غياب رؤية موحدة لموقع العراق في ظل التصعيد الإقليمي.
من هذا المنطلق، فإن حماية بغداد بمركزيتها، ودور الحاكمية فيها، ليست مسؤولية القوى الشيعية وحدها، بل مسؤولية وطنية تشترك فيها القوى الكردية والسنية أيضاً. فالمسألة لم تعد مسألة تمثيل سياسي، بل مسألة بقاء الدولة ومنع انكسارها.
إن أي ارتباك في السلطة المركزية سيهدد مباشرة إقليم كردستان، كما سيعيد المناطق السنية إلى هواجس الانكشاف الأمني ومواجهة استقطاب إقليمي حاد، دفعت ثمنه باهظاً في مراحل سابقة.
إن منطق المصلحة يلتقي مع منطق الاستقرار. فالدفاع عن استمرارية النظام السياسي، مع السعي إلى إصلاحه، هو الخيار الأقل كلفة مقارنة ببدائل الانهيار أو التدخل الخارجي أو مشاريع الفوضى.
هذه الدعوة لا تعني الدفاع الأعمى عن الواقع القائم. فالحاكمية القائمة تتحمل مسؤوليات واضحة، والتزامات جدية بالمراجعة، تتعلق بضعف الإدارة، وتضارب الإرادات، وغياب الآليات الرشيدة لدى صانع القرار. إلا أن علاج هذه الاختلالات لا يكون بهدم مركز الحكم، بل بتحويله إلى إطار أكثر رشادةً وانفتاحاً وشراكة.
تفرض حساسية اللحظة التي تواجهها الحاكمية الشيعية على القوى الكردية والسنية، بلا استثناء، أن تعلّق رهاناتها الضيقة وحساباتها الآنية، وأن تتجه إلى إسناد الأخ الأكبر في العملية السياسية، بوصفه مركز الثقل الذي يقوم عليه تماسك الدولة ومنع انزلاقها، بما يتيح عبور أخطر منعطف يواجه العراق منذ عام 2003.
*كاتب عراقي كردي





