في الحرم
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
ركبنا البحر ونحن لا نعلم على التحقيق أين نلقى صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، لأن برنامج الرحلة لا يشير إلى المكان فمن الجائز أن يكون في جدة، لأنها الميناء الذي ينتقل منه جلالته إلى يخت المحروسة، ولجلالته قصر منيف في أرباضها هو القصر المعروف بقصر خزام.ومن الجائز أن يكون في مكة المكرمة، لأن اليخت يصل إلى جدة قبل سفر جلالته بيومين فإذا كان استقبال البعثة الملكية في جدة فلا عمرة ولا إحرام، وإذا كان الاستقبال في مكة المكرمة، فقد وجبت العمرة ووجب الإحرام.ولكن كيف السبيل إلى الإحرام؟ وكيف السبيل إلى خلع المخيط في الشتاء، وإن كان الجو في مكة أدفأ من جو القاهرة بدرجات؟إنني ألبس الصوف شتاء وصيفا منذ خمس وعشرين سنة، وإذا صح أن «الصوفي» منسوب إلى الصوف، فليس على ظهر الأرض رجل أحق مني بهذه الصفة، فكيف السبيل إلى التحلل.وعبرنا خاشعين مطرقين، وسكتنا لأن مهبط الوحي هنالك قد ألهمنا السكوت.مكان آخر عند الكعبة كان له في قلوبنا مثل هذا الخشوع ومثل هذا الرجوع مع الزمن إلى أيام الرسالة وأيام الجهاد ذلك هو موقف الدعاء الذي كان الرسول عليه السلام يختار الوقوف فيه كلما طاف بالكعبة ودعا إلى اللّٰه.أنت هنا لا ريب في مقام قام فيه ذلك الرسول الكريم، ذلك السر السرمدي الذي تتعلق به مقادير التاريخ ومصائر الأمم وضمائر بني الإنسان، ذلك الإنسان الذي يقترن اسمه في صلوات الألوف بعد الألوف باسم خالق الكون العظيم.أنت هنا تقف حيث وقف وتدعو حيث دعا وتنظر حيث نظر وتحوم بنفسك حيث حام في اليقظة لا في المنام.قيل لنا: هنا يستجاب الدعاء.قلنا نعم: هنا أخلق مكان أن يستجاب فيه دعاء، وألهم اللّٰه كلا من الواقفين معنا أن يدعو دعاء. وأن يستجمع في الدنيا والآخرة رجاء، وساق إلى لساني هذه الدعوة فدعوت: اللهم، ناولني ما أريد لي وللناس، واجعل الخير كل الخير فيما أريد لي وللناس.وما بي من حاجة في الحياة إذا استجيب هذا الدعاء... منظر ثالث أخذني بجماله في جوار البيت الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع في ذلك المقام لا يخشى ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره في طواف على الأرض وطواف على الهواء.وأعجب ما سمعت ورأيت أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات.وقد سمعت بهذه الخاصة في حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته في طواف العمرة وطواف الوداع تحريت أن أتعقبه في كل مذهب من مذاهب مطاره، فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور.أدب الناس في هذا المقام المهيب نعرف سره ونعرف مصدر الوحي منه إلى القلوب الآدمية.أما أدب الطير في هذا القام فسره عند اللّٰه.وأمن الحمام يذكرني بأمن السائلين في جوار الكعبة وجوار المسجد الحرام.إنهم ليتدافعون حول الزائرين ولا يتجملون كما يتجمل الطير فيقطع بعضهم رزق بعض، ولا يدعون لمن يريد أن يعطي سبيل العطاء.وهم في أمان لا يهانون ولا يصيبهم الأذى من الشرطة في جوار البيت الذي يأمن فيه الخائفون وحسن هذا وأيم اللّه.حسن أن يأمن المساكين كل سطوة في حرم الأمان، وأحسن منه أن يجيبهم الوازع من القلوب والعقول لا من العصى والسياط.فإن كان في تهافت السائلين على صغائر الدنيا غضاضة، فإن في هذا الأمان لقداسة البيت العتيق، وإنه لمن القداسة أن يتعلم الإنسان كيف يجيب من يسألونه، وهو يدعو اللّٰه ويرجو أن يستجاب.1948**كاتب مصري «1889 - 1964»




