عامر أبو عرفة
في السجن، لا تأتي الأخبار كما تأتي إلى الناس؛ لا يرن هاتف، ولا تصل رسالة، ولا تُفتح صورة على شاشة، ولا يطرق باب الزنزانة أحد من أهله ليقول له: لقد حدث كذا.
ففي سجون بن غفير خلف الأبواب الحديدية، يصبح الخبر هو الطريق الوحيد الذي يصل منه شيء من البيت، كلمة يحملها محامٍ بعد زيارة، أو معلومة ينقلها أسير لأسير، أو خبر يأتي متأخرًا عن موعده. «تزوج أخوك»، «رزقت بولد»، «ابنك نجح»، «أختك تخرجت»، جمل قصيرة، لكنها في السجن تحتاج إلى خيال كامل حتى تتحول إلى مشهد.
حين يسمع الأسير: «تزوج أخوك»، لا يرى العريس، ولا يعرف كيف بدا في بدلته، ولا يسمع أصوات الفرح في البيت، ولا يعرف من وقف إلى جانبه في تلك الليلة، يحاول أن يستدعي صورة أخيه من ذاكرته، ويتخيله وهو يستعد للعرس، ثم ينتقل بخياله إلى البيت، إلى أمه وهي تستقبل الناس، إلى أبيه، إلى المقاعد التي امتلأت بالأقارب.
وربما يسأل نفسه: هل تذكرني أخي في تلك اللحظة؟ هل كان يتمنى أن أكون إلى جانبه؟ أسئلة كثيرة لا تجد جوابا، لأن السجن لم يمنعه من معرفة أن العرس حدث، بل من أن يكون شاهدا عليه.
في أفراح الناس، يكون الغائب واحدا من تفاصيل المشهد، أما في حياة الأسير، فإن الغياب يصبح هو المشهد كله، لا يشارك أخاه فرحته، ولا يصافحه، ولا يقف إلى جواره في الصورة، ولا يسمع منه تلك الكلمات الصغيرة التي لا تحتاج إلى مناسبة: «اشتقت لك»، يصل الخبر فقط، ثم يعود الأسير إلى المكان نفسه، والجدران نفسها، والباب نفسه، بينما يكون أخوه قد بدأ حياة جديدة في الخارج.
ولعل أكثر الأخبار التي تدخل إلى قلب الأسير وتترك فيه أثرًا لا يشبه غيره هو خبر ولادة طفل «رزقت بولد»، جملة قد تغير يوما كاملا داخل السجن، يبدأ الأسير بالسؤال عن الاسم، عن الأم، عن الطفل، عن صحته، ثم يبقى سؤال لا يستطيع أن يقوله بسهولة: كيف يبدو؟ ذلك الطفل الذي جاء إلى الدنيا ولم تره عين أبيه، ولم تمتد إليه يده، ولم يسمع صوته من قرب.
قد يكبر الطفل أشهرًا وسنوات، وكل ما يصل إلى الأب عنه أخبار متقطعة: «كبر»، «بدأ يمشي»، «دخل المدرسة»، وهكذا يعيش الأبوة من خلف القضبان، لا من خلال اللحظات، وإنما من خلال الأخبار التي تخبره أن ابنه يكبر في مكان لا يستطيع الوصول إليه.
وقد يأتي خبر نجاح الابن بعد سنوات من الأسر. «ابنك نجح». يفرح الأسير، ويسأل عن نتيجته، ثم يبدأ في حساب الزمن، كم كان عمره عندما اعتُقلت؟ كم أصبح الآن؟ كم امتحانًا خاضه دون أن يكون أبوه إلى جواره؟ كم مرة جلس أمام كتابه متعبًا أو خائفًا، وكان يحتاج كلمة تشجيع؟ ربما يكون الابن قد صار شابًا، بينما الصورة التي يحملها الأب عنه في ذاكرته ما تزال لطفل تركه خلفه. وهنا يصبح الفرح ممزوجًا بسؤال آخر: كم لحظة من طفولته مرّت دوني؟
حتى أفراح الأخوات لا تصل كاملة «أختك تخرجت»، يعرف الخبر، فيفرح، ويتخيلها بثوب التخرج، تتوسط أهلها، وتسمع كلمات التهنئة، ربما يتمنى لو كان هناك، ليس ليلقي خطابًا ولا ليصنع مشهدًا كبيرًا، وإنما ليقول لها ببساطة: «مبروك». ربما كان يريد أن يشتري لها هدية، أو ينتظرها في البيت، أو يسمع منها تفاصيل يومها، لكن السجن يجعل الأشياء الصغيرة، التي يمر عليها الناس عادة دون انتباه، أحلامًا بعيدة.
المشكلة أن الأسير لا يفوّت مناسبة واحدة فقط، هو يفوّت تتابع الحياة نفسها، فالأطفال يكبرون، والإخوة يتزوجون، والأخوات يتخرجن، والبيوت تتغير، وأسماء جديدة تدخل العائلة، وأطفال يولدون لم يكن لهم وجود يوم دخل الأسير السجن.
الحياة في الخارج لا تنتظر أحدًا، تمضي في مسارها الطبيعي، بينما يبقى الأسير في مكانه، يستقبل أخبارها واحدة بعد الأخرى، وكأن حياته خارج السجن تحولت إلى سلسلة طويلة من الأخبار.
في الحياة العادية، حين يقول لك أحدهم: «تزوج أخوك»، تعرف ماذا تفعل، تذهب إلى العرس، ترى الناس، تسمع الموسيقى والزغاريد، تصافح العريس، تجلس مع أهلك، ثم تعود إلى البيت وقد حملت من المناسبة تفاصيل كثيرة. أما الأسير، فيسمع الجملة ثم يعود إلى يومه، لا شيء حوله يتغير. الجدران هي نفسها، الباب هو نفسه، الوقت هو نفسه، وحده شيء واحد يكون قد تغير: هناك حدث جديد في حياة عائلته لم يكن جزءًا منه.
ولهذا قد يكون الخبر السعيد في السجن محمّلًا بأكثر من معنى، يفرح الأسير حين يعرف أن ابنه نجح، أو أن أخاه تزوج، أو أن شقيقته تخرجت، أو أن طفلًا جديدًا جاء إلى العائلة، لكنه لا يستطيع أن يمنع السؤال من الوقوف خلف كل فرحة: لماذا لم أكن هناك؟ والسجن هو الإجابة التي لا تحتاج إلى كلام.
لذلك يحفظ الأسرى الأخبار. يحفظون أسماء الأطفال، وتواريخ الأعراس، ونجاحات الأبناء، وتخرج الأخوات، وتفاصيل البيوت الجديدة، وكل ما يتغير في حياة عائلاتهم، ليس الأمر فضولًا، وإنما محاولة لاستعادة مكانهم في حياة من يحبون.
حين يُحرم الإنسان من المشاركة، يصبح أكثر تعلقًا بالتفاصيل؛ يريد أن يعرف كل شيء، كأنه يقول لعائلته وللحياة معًا: أنا بعيد، لكنني ما زلت واحدًا منكم.
وقد يأتي يوم يخرج فيه الأسير من سجنه، فيجلس أمام ابنه الذي صار شابًا، ويسمع منه حكايات عن سنوات كاملة لم يكن حاضرًا فيها، قد يحدثه ابنه عن المدرسة، وعن أول وظيفة، وعن أصدقائه، وعن مواقف عاشها الأب للمرة الأولى من خلال رواية ابنه. وربما يكتشف أن الطفل الذي كان يتخيله خلف القضبان صار رجلًا يجلس أمامه. عندها يفهم أن الخروج من السجن ليس نهاية كل شيء، بل بداية محاولة استرداد ما يمكن استرداده من حياة سرقها الغياب.
فالحرية بالنسبة إلى الأسير ليست فقط أن يُفتح الباب الحديدي وأن يخرج إلى الشارع. الحرية أن يسمع خبرًا جميلًا ويستطيع أن يذهب إليه. أن يتزوج أخوه فيقف إلى جواره، وأن يولد ابنه فيحمله، وأن تنجح ابنته فيكون أول من يهنئها، وأن تتخرج شقيقته فينتظرها عند باب الجامعة، وأن تمرض أمه فيجلس إلى جوارها. الحرية، في معناها الأكثر بساطة، أن يكون حاضرًا في حياة الذين يحبهم.
في السجن، تصل الأفراح أخبارًا، تصل بلا صوت أصحابها، وبلا وجوههم، وبلا تفاصيلها، وتبقى مهمة الأسير أن يكمل المشهد في خياله. أما في الحرية، فهو لا يريد أن يسمع أن الفرح حدث فقط؛ يريد أن يكون هناك حين يحدث، فثمة فرق كبير بين أن يقول لك أحدهم: «حدث الفرح»، وبين أن تكون هناك… حين حدث.
The post في الأسر حتى الأفراح تصل متأخرة ! appeared first on السبيل.




