الأهم من ذلك أن اتجاه الأمور في البلاد، وفق نتائج الاستطلاع الذي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، يكشف تحولا تدريجيا في المزاج العام، إذ ما زالت الأغلبية ترى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لكن هذه الأغلبية لم تعد مريحة كما كانت في السابق، بينما ارتفعت نسبة من يعتقدون أن الأمور تسير في الاتجاه السلبي، وهي نسبة ترتبط في أسبابها المباشرة بعوامل اقتصادية ومعيشية في المقام الأول، مثل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى تأثير الحروب في الدول المجاورة، وهي عوامل تعكس ضغطا اقتصاديا حقيقيا، لكنها لا تعكس فقدانا للثقة بالدولة.

وهنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية، لأن المجتمعات لا تغيّر مزاجها فجأة، بل تعدّل توقعاتها تدريجيا. والدولة، في المقابل، لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من استقرار، وبين هذين المنطقين، منطق النتائج ومنطق الصمود، تتشكل الصورة الفعلية لما حدث في الأردن خلال العام ونصف العام الماضيين.
الحرب الأخيرة في المنطقة لم تكن حدثا عابرا في نشرات الأخبار، بل كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الأمن والاقتصاد، لأن الدول، حين تدخل محيطا مضطربا، تواجه خطرين في وقت واحد: خطر الانزلاق الأمني، وخطر الانكماش الاقتصادي، وإذا نجحت في تجنب الأول، فإنها تكون قد أنقذت الدولة، وإذا نجحت في الحد من الثاني، فإنها تكون قد أنقذت المجتمع.
الأردن، في هذه المرحلة، لم يكن خارج المعادلة، بل كان في قلب بيئة إقليمية مضطربة، مفتوحة على احتمالات غير محسوبة النتائج، لكنه اختار أن يدير الأزمة بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة، فالسياسة الخارجية تحركت بحذر، والأجهزة الأمنية رفعت مستوى الجاهزية، والمؤسسات الاقتصادية حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار، والنتيجة كانت واضحة: الاقتصاد تباطأ، لكنه لم يتوقف، ومؤسسات الدولة استمرت في العمل، ولم تدخل حالة ارتباك.
وهنا تظهر أهمية قراءة الأرقام الاقتصادية في سياقها، لا في عزلتها عن كل ما يحيط بها، فخلال العام ونصف العام الماضيين، حافظ الاقتصاد الأردني على نمو إيجابي رغم الضغوط الإقليمية، إذ سجل معدل نمو يقارب 2.6 في المئة في عام 2024، واستمر في تحقيق نمو قريب من 2.5 في المئة في عام 2025، وهي معدلات قد تبدو متواضعة إذا قيست بالطموحات، لكنها مهمة إذا قيست بالظروف، لأن هذه الفترة لم تكن فترة استقرار اقتصادي طبيعي، بل فترة ضغط إقليمي حاد شهد اضطرابات في سلاسل التزويد، وارتفاعا في كلف الطاقة والنقل، وتراجعا في حركة التجارة والاستثمار في المنطقة.
في مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على نمو إيجابي مؤشرا على قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد تحت الضغط، لا على تحقيق قفزات في الأداء، فالدول التي تدخل أزمات إقليمية عميقة عادة تشهد انكماشا اقتصاديا أو تراجعا حادا في النشاط، بينما حافظ الأردن على استقرار نسبي في معدلات النمو، واستمرار في تقديم الخدمات العامة، واستقرار في المالية العامة، وهو ما يعكس متانة البنية المؤسسية للدولة، حتى في لحظات الاختبار.
لكن المواطن، بطبيعته، لا يقيس الأداء بمعدلات النمو وحدها، بل بقدرته على العيش، وهذا أمر مفهوم، لأن الاقتصاد، في النهاية، ليس رقما في تقرير، بل واقع في حياة الناس، ولهذا فإن ارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وبطء خلق فرص العمل، أصبحت العوامل الأكثر تأثيرا في المزاج العام، وهي عوامل جعلت الناس أكثر حساسية تجاه الأداء الحكومي، وأكثر اهتماما بالنتائج المباشرة.









