في عُمان.. المطر له تاريخ يُروى
حصري لـ “الصحوة” – مع كل موجة أمطار غزيرة تشهدها سلطنة عُمان، يعود التساؤل حول طبيعة هذا المناخ: هل ما يحدث اليوم حالة استثنائية، أم أنه امتداد لنمط عرفته البلاد منذ زمن بعيد؟
تُظهر المصادر التاريخية أن تقلب المناخ في عُمان ليس طارئًا، بل جزء من تكوينها الجغرافي. ويشير كتاب عُمان ونهضتها الحديثة إلى أن السلطنة تتأثر بتداخل تيارين مناخيين مختلفين، أحدهما قادم من البحر الأبيض المتوسط، والآخر من المحيط الهندي، ما يؤدي إلى غياب نمط ثابت لهطول الأمطار.
ولا يقتصر الأمر على عدم انتظام التوقيت، بل يمتد إلى طبيعة الهطول نفسه. فالأمطار قد تتأخر لفترات طويلة، ثم تهطل بكميات كبيرة خلال ساعات قليلة، وهو ما يؤدي إلى تحوّل الأودية الجافة فجأة إلى سيول جارفة. ويصف الكتاب هذه الظاهرة بأنها قادرة على اجتياح ما أمامها من أشجار وصخور وحيوانات، وقد تمتد آثارها لتشمل الطرق والمركبات وحتى السكان.
وتشير البيانات الواردة في الكتاب إلى تفاوت كبير في كميات الأمطار؛ ففي حين يبلغ متوسط الهطول السنوي في مسقط نحو 90.3 مليمترًا، قد تصل الأمطار في بعض المناطق، مثل الجبل الأخضر، إلى ما بين 250 و500 مليمتر في بعض السنوات، ما يعكس تباينًا حادًا بين مناطق السلطنة.
ولا تقف هذه الصورة عند حدود الوصف، بل تدعمها وقائع تاريخية. إذ يذكر الكتاب أن عُمان شهدت في عام 1890 عاصفة إعصارية هبطت خلالها كميات كبيرة من المياه خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى فيضانات مفاجئة تسببت في غرق نحو 700 شخص.
كما يورد مثالًا أقدم يعكس خطورة هذه الظواهر، حيث غرق الإمام الوارث بن كعب عام 807م بالقرب من نزوى، ومعه نحو سبعين شخصًا من أهله، أثناء محاولتهم عبور أحد الأودية، في حادثة تؤكد أن السيول المفاجئة كانت جزءًا من تاريخ البلاد منذ قرون.
ورغم ما تخلّفه هذه الأمطار من أضرار في بعض الأحيان، فإنها تمثل في الوقت ذاته عنصرًا أساسيًا في تغذية المخزون الجوفي للمياه، وهو ما يجعلها ذات أهمية كبيرة في بيئة جافة تعتمد على الموارد الطبيعية المحدودة.
في المحصلة، تكشف قراءة التاريخ أن ما تشهده عُمان من تقلبات مناخية ليس جديدًا، بل هو امتداد لطبيعة بيئية معروفة، تتسم بالتباين وعدم الانتظام، حيث يجتمع النفع والخطر في ظاهرة واحدة، تتكرر بأشكال مختلفة عبر الزمن.


