تتخذ المجموعة من "شجرة الحناء" محورا رئيسا، فالشجرة تتجاوز كونها نباتا أو عنصرا بيئيا لتتحول إلى فضاء طقسي يلتقي فيه الجسد بالذاكرة، والحياة بالموت، والطفولة بالكهولة. مما يشكل شبكة دلالية تحكم المجموعة بأكملها، وتمنح نصوصها وحدة داخلية متماسكة، حيث تتقاطع التجارب الإنسانية مع الطقس والرمزية في حيز شعري مشبع بالمعنى والإحساس.
في قصيدة "صلاة شجرة الحناء"، تتحول الحناء إلى وسيط بين الأرض والسماء، إنها شجرة تمارس تحتها الصلاة، وتمارس فوقها الحياة: "لا أمل سوى في صلاة خافتة/ تحت شجرة الحناء/ حين تصعد التبتلات/ مع رائحة بتلات زهور الحناء/ بيضاء بيضاء أشبه بالتراتيل".
تتماهى الصلاة في هذا المقطع مع الرائحة ضمن نسيج تتداخل فيه الأبعاد الروحية والحسية، فتغدو التجربة الروحية ممتدة في الجسد وحاضرة في تفاصيله الدقيقة. كما تتجاوز الحناء حدود الزينة لتأخذ هيئة وسيط كوني يحمل الدعاء من الأرض إلى السماء.
الطفولة كفردوس مفقود
يكتب عبديغوث من داخل التجربة، إذ تنبثق اللغة من تماس مباشر مع الأشياء: الطين، النخيل، الجبل، الأم، الأب، الطفولة، والموت، فيتشكل بذلك عالم شعري مشدود إلى الجغرافيا العمانية ومتشبع بروحها. ومن هذا الارتباط يتسع الأفق ليغدو كونا داخليا تتردد فيه أصداء الإنسان الأول وهو يتلمس معنى وجوده عبر الفقد والدهشة.

تهيمن ثيمة الفقد على أجواء المجموعة، فيتكرر حضور الموت بوصفه تجربة وجودية عميقة، تتجاوز الحدث الواقعي إلى أفق تأملي. تتجلى هذه التجربة في رثاء الأب، كما في قصيدة "مزمار أصفر"، حيث يتداخل الموت مع تفاصيل الحياة اليومية، ويغدو الفقد حدثا كونيا يخلخل الزمن نفسه: "كأن الزمان صار نقطة بين زمانين/ تحممني صغيرا ضاحكا عند درج البيت/ وأحممك كبيرا باكيا في غرفة المشفى/ أقبل رأسك هاذيا لاهثا/ كأنني رئتاك المتليفتان بالداء والوداع".
يكشف هذا المقطع عن انكسار الزمن، حيث يتقاطع الماضي بالحاضر، ويصبح الابن أبا، والأب طفلا، في حركة تبادلية تربك الحدود بين الأدوار. اللغة هنا مشبعة بالحميمية، لكنها أيضا مشحونة بوعي مأسوي يجعل من الفقد تجربة جسدية وروحية في آن.









