فتح: بين أصالة المشروع وتجديد الحضور
في أعقاب نكبة 1948م، حين تشتّت الشعب الفلسطيني وتعرضت هويته الوطنية لمحاولة الطمس والتذويب، برزت الحاجة إلى إطار جامع يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه صاحب قضية، لا مجرد لاجئ في خرائط اللجوء.
ومن هذا السياق التاريخي العاصف، انطلقت حركة فتح لتؤسس لمرحلة جديدة، عنوانها استعادة المبادرة وصياغة المشروع الوطني المستقل.
لم تكن فتح مجرد تنظيم سياسي، بل تحولت سريعًا إلى حالة وطنية شاملة، أعادت بناء الوعي الجمعي الفلسطيني، وربطت بين الأرض والإنسان والحق التاريخي.
وقد قامت فلسفتها على ثلاثية واضحة: فلسطينية القرار، عربية العمق، وإنسانية الأفق. وهي ثلاثية منحتها القدرة على التحرك بمرونة، دون التفريط بالثوابت.
في صلب هذه التجربة، برز مبدأ الاستقلال الوطني كركيزة أساسية، حيث دافع عنه القائد التاريخي، وجعله قاعدة لا يمكن التنازل عنها، إدراكًا منه أن القرار الوطني هو صمام الأمان لأي مشروع تحرري. وبهذا النهج، استطاعت فتح أن تقود، لتصبح العنوان السياسي الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات.
ولم يكن العمق العربي لفتح مجرد امتداد جغرافي أو عاطفي، بل شكل رافعة سياسية واستراتيجية، دون أن يتحول إلى تبعية أو ارتهان.
فقد حافظت الحركة على توازن دقيق بين الانتماء العربي واستقلالية القرار، وهو ما مكّنها من البقاء خارج محاور الاستقطاب، مع الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
أما على المستوى الإنساني، فقد نجحت فتح في تدويل القضية الفلسطينية، وتحويلها إلى قضية عدالة عالمية، تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتلامس ضمير الإنسانية.
ففلسطين، في خطاب فتح، لم تكن فقط أرضًا محتلة، بل رمزًا لنضال الشعوب من أجل الحرية والكرامة.
ورغم ما حققته الحركة من إنجازات، فإن التحديات الراهنة تفرض عليها مراجعة عميقة.
فتعقيدات الواقع الفلسطيني، والانقسام الداخلي، والتحولات الإقليمية والدولية، كلها عوامل تستدعي تجديدًا في الفكر والأدوات.
وهنا، يصبح استحضار روح فتح الأولى ضرورة، لا بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كقيمة متجددة قادرة على الإلهام والبناء.
إن مستقبل فتح لا يُقاس فقط بما أنجزته، بل بما تستطيع أن تقدمه اليوم.
فالحركة التي أعادت تشكيل الهوية الوطنية، مطالبة اليوم بإعادة ترميمها، وتعزيز وحدة الصف، والانفتاح على طاقات الشباب، لتبقى قادرة على حمل المشروع الوطني في زمن تتعاظم فيه التحديات.
خلاصة القول: فتح ليست محطة في التاريخ، بل مسار مستمر من النضال والتجدد.
وبين جراح الماضي وأسئلة الحاضر، يبقى الأمل معقودًا على قدرتها في أن تظل وفية لجوهرها: حركة تحرر وطني، لا تنحني إلا لإرادة شعبها، ولا ترى في الأفق إلا طريقًا واحدًا… طريق العودة والحرية والاستقلال.





