ما نراه على الشاشات العربية هو أجزاء متناثرة من الحقيقة، للمشاهد النبيه أن يحاول الإفادة منها قدر ما يتيحه التراشق الكلامي والصراخ، أما جوهر المسألة فهي أنك ترى مرايا مضاعفة من حقيقة واحدة، يمكن تسميتها بالحقيقة الفرجوية أو الترفيهية، ومن خلال تقاطع هذه المرايا بعضها مع بعض، وفي خدمة بعضها بعضا، وإن تناقضت في الهوى السياسي الذي تمثّله، فإنك ترى صورة عن المزاج العام، أو الشعور السائد، دون أن تفهم طبيعة هذا المزاج أو الشعور، أو تستطيع بناء فهم حقيقي حول الصراع محل النقاش.
بهذا المعنى، فإن هذه الحلقات النقاشية، التي تدّعي لنفسها نخبوية ما، من خلال الضيوف الذين تغلب عليهم صفة "الدكتور" و"الخبير"، هي انعكاس للشوارع السياسية والشعبوية التي يأتي الضيوف منها. هي تقع في خدمة الغرائز والنزعات والعصبيات، وعلى غرارها تنحو غالبا إلى نصب المحاكم وإطلاق الأحكام، والتراشق بالاتهامات والصوابيات السياسية والمظلوميات، بدلا من أن تعكس شيئا من الحقيقة المبتغاة.
المعضلة الأكبر حين تقام هذه الحلبات النقاشية على وقع أعمال القتل والدمار التي لا تني تتمدد رقعتها ويتعمق مداها وتتوحش طبيعتها. الضحايا، أولئك الذين تسفك دماؤهم الحقيقية، في المدن والقرى والشوارع، ليسوا إلا جزءا من الحجج السجالية المتبادلة. لن ترى محللا حزينا أو مبتئسا أو غاضبا مما يجري، فهذا مخالف لطبيعة دوره البارد. قد تسمع من بعض المحللين كلاما شعبويا عاطفيا شعاراتيا، فهو كما قلنا مرآة لهوى سياسي ما، لكنك لن تشعر بصدق تعاطفه مع من ينطق باسمهم ويزعم المنافحة عن حقوقهم. حتى من حيث الشكل، تكاد ترى الحماسة طاغية على الوجوه، والنشوة طافحة في العيون، خلال مناقشة يفترض أنها قد انطلقت من مذبحة مروعة قد تكون وقعت للتو. وإذا كان ليس مطلوبا من المحلل البكاء– فالدموع أيضا يمكنها أن تستخدم كأداة وحجّة– فإن الحدّ الأدنى من النزاهة، يتطلب أن يتعامل مع هؤلاء الضحايا بصفتهم هذه، أي كونهم ضحايا، لا كونهم مجرد أداة في ماكينة المحاججة التي لا تهتز، أو في الجهة المقابلة، بوصفهم أداة لاستجلاب التعاطف والمزيد من التصفيق واللايكات والمشاركات.





