قبل أكثر من شهر تفقد وزير الداخلية الأردني مازن الفراية سير العمل في جسر الملك حسين، في خطوة مقدرة تعكس اهتمام الحكومة بواقع المعابر الحدودية والخدمات المقدمة للمسافرين.
لكن الحقيقة أن ملف المعابر لا يقتصر على جسر الملك حسين وحده، فهناك حاجة ملحة أيضا لإعادة النظر في واقع مراكز الحدود الأردنية مع المملكة العربية السعودية، وتحديدا في مركزي العمري والمدورة اللذين يشكلان بوابة الأردن البرية الرئيسة نحو الخليج العربي.
أي مسافر يعبر الحدود بين البلدين يلاحظ الفارق الكبير بين الجانبين. فعلى الجانب السعودي أصبحت الإجراءات أكثر سرعة وسهولة، حيث يتم إنجاز معظم المعاملات من خلال الشبابيك بينما يبقى المسافر داخل سيارته. لا يضطر للنزول إلا في مراحل محددة تتعلق بالتفتيش الجمركي.
العملية بأكملها مصممة لتوفير الوقت والجهد وتحقيق أعلى درجات الراحة للمسافرين.
أما عند الوصول إلى الجانب الأردني، فتبدأ قصة مختلفة. يُطلب من السائق إيقاف المركبة، ثم النزول مع أفراد أسرته كافة، بمن فيهم الأطفال وكبار السن، والتوجه إلى قاعة الجوازات لإنجاز إجراءات ختم الدخول. وفي أوقات الذروة أو خلال مواسم السفر والعطل، تتحول هذه العملية إلى عبء حقيقي على المسافرين، خصوصا للعائلات التي قطعت مئات الكيلومترات على الطريق.
السؤال البسيط الذي يطرحه كل عابر للحدود: لماذا لا يتم إنجاز هذه الإجراءات من خلال شبابيك مخصصة للمركبات كما هو معمول به في دول عربية كثيرة، ومنها السعودية والإمارات وقطر؟ ولماذا لا نستفيد من التكنولوجيا الحديثة التي تسمح بإنجاز المعاملات بسرعة أكبر ودون الحاجة إلى هذا الكم من الحركة والانتظار؟
الموضوع هنا لا يتعلق بالترف أو الكماليات. نحن نتحدث عن أول صورة يراها الزائر عند دخوله الأردن، وآخر صورة يحتفظ بها المغادر عند خروجه منه. الحدود ليست مجرد نقطة عبور أمنية وإدارية، بل واجهة للدولة ورسالة تعكس مستوى الخدمات وكفاءة المؤسسات وقدرتها على مواكبة التطور.
الأردن يمتلك الكفاءات والخبرات القادرة على تطوير هذه المعابر. كما أن الدولة نفذت خلال السنوات الماضية العديد من المشاريع الناجحة في مجالات التحول الرقمي والخدمات الحكومية الإلكترونية. لذلك فإن تحديث المعابر الحدودية يجب أن يكون جزءا من هذا المسار، وليس ملفا منفصلا عنه.
المطلوب ليس فقط تحسين المباني أو تجميل المرافق، رغم أهمية ذلك، بل إعادة هندسة تجربة المسافر بالكامل. المطلوب أن تصبح الإجراءات أسرع وأكثر مرونة، وأن يتم تقليل الحاجة إلى النزول من المركبات، وتوسيع استخدام الأنظمة الرقمية، وزيادة عدد المسارات والشبابيك، وتحسين مناطق الانتظار والخدمات المساندة.
لا أحد يقارن من باب الانتقاد أو التقليل من الجهود المبذولة، بل من باب الحرص على أن يكون الأردن في المكانة التي يستحقها. فعندما نرى تجارب ناجحة لدى الآخرين، من الطبيعي أن نستفيد منها وأن نطور أداءنا بما يتناسب مع طموحاتنا.
الحدود الأردنية مع السعودية ليست مجرد معابر بين بلدين شقيقين، بل شريان اقتصادي وسياحي وإنساني مهم. وكل دينار يُنفق على تطويرها هو استثمار في صورة الأردن وسمعته وفي راحة مواطنيه وضيوفه.
وما نحتاجه اليوم هو قرار سريع وخطة واضحة تجعل من العمري والمدورة نموذجين حديثين يليقان بالأردن ويعكسان ما نطمح إليه من كفاءة وتطور وجودة خدمات.
ــ الغد