فراس النعسان : الموت الرقمي
لم يعد الموت في عصرنا يعني توقف القلب فقط، بل قد يبدأ بتوقف الإشارة. يكفي أن تختفي نقطة زرقاء صغيرة من شاشة الهاتف، أو أن يتعطل نظام تحديد المواقع لبضع ثوانٍ، حتى يشعر الإنسان بأنه فقد اتجاهه، وكأن جزءاً من وعيه قد انقطع عنه، حتى أننا لم نعد نخشى الضياع في الصحراء، بل أصبحنا نخشى الضياع داخل المدينة التي نسكنها منذ سنوات إذا فقدنا الاتصال بالشبكة. المشهد الذي عاشته بعض مناطق الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية، مع اضطرابات أنظمة الملاحة وتراجع دقة خدمات الـGPS، كان أشبه بتجربة اجتماعية كشفت حجم اعتمادنا على التكنولوجيا. سيارات توقفت تبحث عن طريقها، وسائقون التفوا في دوائر مغلقة، وأشخاص وقفوا عاجزين عن الوصول إلى وجهة يعرفونها جيداً، لكنهم لم يعودوا يعرفونها إلا عبر شاشة الهاتف. لقد انتقل الإنسان، بهدوء ومن دون أن يشعر، من استخدام التكنولوجيا إلى الاتكاء عليها. لم تعد الخرائط في عقولنا، بل في الخوادم البعيدة، ولم تعد أرقام الهواتف في الذاكرة، بل في التطبيقات، ولم تعد معرفتنا بالأماكن نابعة من التجربة، بل من خوارزمية ترشدنا متى ننعطف ومتى نتوقف. هذا الاعتماد الهائل يجعل سؤالاً واحداً يبدو مرعباً: ماذا لو اختفى الإنترنت ثلاثة أيام متواصلة؟ السيناريو ليس خيالاً أدبياً. العالم اليوم يعيش على شبكة واحدة تربط المصارف والمطارات والمستشفيات والموانئ والمتاجر والأسواق المالية، كما تربط العائلة والأصدقاء. بضغطة زر تنتقل مليارات الدولارات، وتتحرك آلاف الطائرات والسفن، وتصل ملايين الطلبات إلى أصحابها، وتعرف أخبار من حولك. انقطاع الإنترنت ثلاثة أيام فقط قد يعني شللاً اقتصادياً واسعاً، وتعطلاً في أنظمة الدفع الإلكتروني، واضطراباً في سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، وتأخيراً في أعمال الطوارئ والرعاية الصحية والاتصالات الحكومية. لكن الخسارة الأكبر قد لا تكون اقتصادية، بل إنسانية ونفسية. لقد أصبح الإنترنت امتداداً لذاكرتنا الجماعية. نحن لا نحفظ شيئاً تقريباً؛ نبحث فقط. لا نتذكر الطرق؛ نتبع الخرائط. لا نحفظ المواعيد؛ تنتظرنا الإشعارات. حتى العلاقات الإنسانية أصبحت تمر عبر تطبيقات ومنصات افتراضية، حتى بدا وكأن الإنسان نقل جزءاً من عقله إلى السحابة الرقمية، فإذا انقطع الاتصال شعر بأنه فقد جزءاً من نفسه. المفارقة أن التكنولوجيا التي جاءت لتمنحنا مزيداً من الحرية، جعلتنا أكثر اعتماداً عليها من أي وقت مضى. فكلما ازدادت المدن ذكاءً، تراجعت مهارات الإنسان البدائية في التذكر والاستدلال والاهتداء. أصبح الهاتف يعرف عناوين أصدقائنا أكثر منا، ويعرف الطريق إلى المنزل أكثر مما تعرفه ذاكرتنا. وربما لهذا السبب لم يعد تعبير «الموت الرقمي» مجرد استعارة صحفية، بل توصيف لحالة كاملة يعيشها الإنسان المعاصر عندما يفقد الاتصال بالشبكة. ففي تلك اللحظة لا يتوقف الإنترنت فقط، بل يتوقف جزء من حياته اليومية، وتتوقف عاداته، ويكتشف فجأة أنه بنى عالمه كله فوق بنية غير مرئية تمتد تحت البحار وفي الفضاء. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يمكن أن يتوقف الإنترنت؟ بل: هل ما زلنا قادرين على العيش بدونه؟ وهل احتفظ الإنسان الحديث بما يكفي من مهاراته القديمة، أم أنه سلّم بوصلته بالكامل إلى الأقمار الصناعية والخوارزميات؟ ربما لم يعد أخطر ما يواجه البشرية هو انقطاع الكهرباء أو نقص الوقود، بل تلك اللحظة التي تنطفئ فيها الشاشات، فيكتشف الإنسان أنه يعرف العالم كله عبر الإنترنت، لكنه لا يعرف نفسه من دونه.


