فراس النعسان : الهدنة التي تُنعش موسكو وتُرهق الخليج
منذ أشهر، والعالم يراقب العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران كما لو أنها تقف عند نقطة وسطى لا تتقدم ولا تتراجع. لا حرب شاملة تقع، ولا اتفاق نهائيا يولد، بل حالة رمادية طويلة تشبه هدنة غير معلنة يتقن طرفاها استثمار الوقت أكثر من استثمار الحلول. في الظاهر، تبدو هذه الحالة مريحة للجميع. واشنطن تتجنب حرباً جديدة في منطقة مثقلة بالأزمات، وطهران تتجنب مواجهة عسكرية قد تكون مكلفة على المستويات كافة. لكن خلف هذا المشهد الهادئ نسبياً تختبئ شبكة معقدة من المصالح لا تقتصر على الطرفين المباشرين، بل تمتد إلى موسكو وكييف والعواصم الخليجية وحتى الأسواق العالمية. خلال السنوات الأخيرة اعتاد كثيرون النظر إلى الملف النووي الإيراني باعتباره قضية منفصلة عن الحرب في أوكرانيا، لكن السياسة الدولية لم تعد تسمح بهذا النوع من الفصل بين الملفات. فالعالم اليوم أشبه بسلسلة مترابطة من الأزمات، وكل اهتزاز في الخليج يترك أثراً في أوروبا، وكل تطور في أوكرانيا ينعكس على أسواق الطاقة العالمية. من هنا يصبح السؤال مشروعاً: من المستفيد الحقيقي من استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم» بين واشنطن وطهران؟ الإجابة قد تكون أكثر إثارة مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فإلى جانب المكاسب الإيرانية والأمريكية المباشرة، تبرز روسيا باعتبارها أحد أكبر المستفيدين من إطالة أمد هذه الحالة. فموسكو التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الغرب منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا تدرك أن أي انفجار كبير في الخليج سيعيد ترتيب أولويات الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. كما تدرك أن استمرار التوتر دون الوصول إلى مواجهة شاملة يبقي أسواق الطاقة في حالة ترقب دائم، وهو ما يمنح روسيا هامشاً اقتصادياً وسياسياً تحتاج إليه في لحظة حساسة من تاريخها. اللافت أن عدداً من منظري العلاقات الدولية تحدثوا طويلاً عن قيمة الأزمات المجمدة بالنسبة للقوى الكبرى. فالأزمة التي لا تُحل ولا تنفجر تمنح اللاعبين الكبار فرصة لإعادة توزيع النفوذ واستنزاف الخصوم وإدارة التوازنات بأقل كلفة ممكنة. وفي هذا السياق تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية الممتدة أشبه بأزمة مُدارة أكثر منها أزمة تتجه نحو الحسم. أما إيران، فهي تجد في هذه الحالة مساحة واسعة للمناورة. فكل جولة تفاوض جديدة تمنحها وقتاً إضافياً لترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية، وتحافظ لها على أوراق الضغط التي تمتلكها في أكثر من ساحة. وفي الوقت نفسه تستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها طرفاً منفتحاً على الحلول السياسية دون أن تقدم التنازلات الكبرى التي يطالب بها خصومها. الولايات المتحدة بدورها لا تبدو مستعجلة لحسم الملف. فالبيت الأبيض يعرف أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تشعل المنطقة بأكملها في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات استراتيجية متعددة، تبدأ من أوكرانيا ولا تنتهي عند التنافس مع الصين. ولهذا يبدو إبقاء الأزمة تحت السيطرة أقل كلفة من محاولة إنهائها بصورة جذرية. لكن ما يبدو مريحاً للقوى الكبرى ليس بالضرورة مريحاً لدول المنطقة. فاستمرار الضباب الاستراتيجي يعني بقاء احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة. ويعني استمرار حالة القلق في أسواق الطاقة والشحن البحري والتأمين والتجارة الدولية. كما يعني أن دول الخليج ستظل مضطرة للتعامل مع بيئة إقليمية غير مستقرة، تتأرجح بين التهدئة المؤقتة واحتمالات الانفجار المفاجئ. والأهم من ذلك أن الأزمات المفتوحة تمنح القوى الكبرى فرصة دائمة لاستخدام الحلفاء كورقة تفاوض أو كأداة ضغط. ففي بعض اللحظات يجري دعم الحلفاء وتعزيز مواقعهم، وفي لحظات أخرى يصبحون جزءاً من مقايضات أكبر تُرسم بعيداً عن حدودهم ومصالحهم المباشرة. لهذا قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم هو (هل ستعود الحرب بين أمريكا وإيران؟). السؤال الأعمق هو (من المستفيد من عدم عودتها، ومن عدم انتهائها في الوقت نفسه؟). عندما نبحث عن الإجابة سنكتشف أن أخطر الأزمات ليست تلك التي تنفجر فجأة، بل تلك التي تبقى معلقة في الهواء سنوات طويلة. فالحرب الواضحة، مهما كانت قاسية، تفضي في النهاية إلى نتيجة. أما الهدنة المموهة فقد تتحول إلى نظام سياسي واقتصادي قائم بذاته، يستفيد منه الكبار بينما يدفع الآخرون ثمنه يوماً بعد يوم.
