ليست أهمية زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في أنها أعادت الأردن إلى واحدة من أهم العواصم في العالم فقط، ولا في أنها جاءت بعد سنوات من آخر زيارة ملكية إلى بكين، وإنما في أنها تفتح من جديد سؤالاً أكبر من الزيارة نفسها: ماذا يريد الأردن من الصين في هذه المرحلة، وماذا يستطيع أن يبني معها؟ فالعلاقات الأردنية-الصينية ليست جديدة، والشراكة الإستراتيجية بين البلدين تعود إلى سنوات، لكن العالم الذي كانت فيه تلك الشراكة قبل أكثر من عقد ليس هو العالم نفسه اليوم. الصين تغيرت، والأردن تغير، والمنطقة تغيرت، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة مختلفة تتنافس فيها القوى الكبرى على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والأسواق والاستثمارات، فيما تجد الدول الصغيرة والمتوسطة نفسها أمام حاجة متزايدة إلى توسيع خياراتها وعدم الارتهان لمسار واحد.
لهذا، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو لماذا يذهب الأردن إلى الصين، فقد ذهب إليها من قبل، وإنما ماذا يفعل بعد أن عاد منها؟ فالزيارات الملكية تستطيع أن تفتح الأبواب، وأن تمنح العلاقات السياسية والاقتصادية دفعة قوية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع تحولا اقتصاديا. ذلك يحتاج إلى ما هو أبعد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم: يحتاج إلى مشاريع، واستثمارات، وشركات، ومصانع، وتكنولوجيا، وأسواق جديدة للمنتجات الأردنية. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها الأردن في التعامل مع الصين بعد الزيارة، إذا كان يريد أن يحول العلاقة من شراكة سياسية جيدة إلى شراكة اقتصادية ذات أثر حقيقي.
الأردن لا يبحث عن بديل للولايات المتحدة، ولا يحتاج إلى أن يختار بين واشنطن وبكين، كما أن سياسته الخارجية لم تقم تاريخيا على استبدال حليف بآخر. مصلحة الأردن مختلفة عن ذلك تماماً. المملكة تحتاج إلى أوسع شبكة ممكنة من العلاقات الدولية، وإلى أكبر قدر من الخيارات السياسية والاقتصادية، خصوصاً في عالم تتراجع فيه قدرة الدول على الاعتماد على مصدر واحد للاستثمار أو التكنولوجيا أو الأسواق. ولذلك فإن الانفتاح على الصين لا ينبغي أن يقدم باعتباره انتقالاً أردنياً من الغرب إلى الشرق، وإنما باعتباره محاولة طبيعية لتوسيع هامش الحركة الأردني والاستفادة من الفرص التي يوفرها صعود قوة اقتصادية وتكنولوجية بحجم الصين.
لكن المشكلة أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين ما تزال تميل بقوة إلى اتجاه واحد. الصين مصدر رئيسي للسلع التي تدخل السوق الأردنية، بينما ما تزال الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية محدودة مقارنة بحجم الواردات. ووفق بيانات غرفة تجارة الأردن، بلغت واردات المملكة من الصين نحو 4.18 مليار دينار خلال عام 2025، مقابل صادرات أردنية إلى الصين بلغت نحو 268.4 مليون دينار، رغم نمو الصادرات الأردنية إلى الصين بنسبة 16.9 بالمائة مقارنة بعام 2024. هذه الأرقام لا تعني أن التجارة مع الصين مشكلة بحد ذاتها، فالصين قوة صناعية هائلة ومن الطبيعي أن تكون منتجاتها حاضرة في السوق الأردنية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مساحة كبيرة لم تستثمر بعد في العلاقة بين البلدين.
وهنا يجب أن ينتقل التفكير الأردني من سؤال «ماذا نشتري من الصين؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا يمكن أن ننتج مع الصين؟». الفرق بين السؤالين ليس لغوياً، وإنما اقتصادي بالكامل. في الحالة الأولى يبقى الأردن سوقاً للمنتجات الصينية، أما في الحالة الثانية فيصبح شريكاً في عملية إنتاج تمتد إلى أسواق أخرى. وهذه ربما تكون إحدى أهم الفرص التي ينبغي أن يبحث عنها الأردن في علاقته مع بكين، خصوصاً أن المملكة لا تستطيع منافسة الصين بحجم سوقها، لكنها تستطيع أن تقدم شيئاً آخر: موقعاً جغرافياً مهماً، واتفاقيات تجارية، واستقرارا سياسيا وأمنيا، وقربا من أسواق عربية وإقليمية، إضافة إلى موارد بشرية يمكن تطويرها وربطها بسلاسل الإنتاج العالمية.
غير أن الموقع الجغرافي وحده لم يعد كافيا لجذب الاستثمارات. العالم مليء بالدول التي تقدم مواقع إستراتيجية وحوافز ضريبية ومناطق حرة. المستثمر الصيني، مثل أي مستثمر آخر، يريد أن يعرف أين سيبيع منتجاته، وما كلفة إنتاجها، وكيف ستتحرك هذه المنتجات، وما مدى سهولة الإجراءات، وما الذي يضمن استقرار استثماره لسنوات طويلة. ولذلك فإن قدرة الأردن على جذب الشركات الصينية لن تحددها البيانات التي تتحدث عن أهمية موقع المملكة، بل البيئة التي سيجدها المستثمر عندما يقرر أن يضع أمواله فيها.
ومن هنا تصبح متابعة ما بعد الزيارة أهم من الزيارة نفسها. فإذا تحولت اللقاءات الملكية إلى استثمارات صينية في الصناعة والنقل واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا والتعدين، وإذا انتقلت الشركات الصينية من مجرد بيع منتجاتها في الأردن إلى إنتاج جزء منها داخل المملكة، فإن العلاقة ستكون قد دخلت فعلاً مرحلة جديدة. أما إذا بقيت النتائج في حدود الاتفاقيات العامة، فإن الزخم السياسي الذي تولده الزيارة سيتراجع مع الوقت، كما حدث في كثير من العلاقات الدولية التي كانت مليئة بالمذكرات والوعود لكنها افتقرت إلى المشاريع القابلة للتنفيذ.
والأردن لديه ما يقدمه في هذا المجال، لكنه يحتاج إلى أن يقدم نفسه للصينيين بطريقة مختلفة. ليس بوصفه سوقاً استهلاكية صغيرة، فهذا ليس العنصر الذي سيجذب شركة صينية تبحث عن أسواق واسعة، وإنما باعتباره منصة يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق أخرى. وهذا يتطلب ربط الاستثمار الصيني في الأردن بالصناعة والتصدير، بحيث لا تكون الشركة الصينية موجودة فقط من أجل السوق الأردنية، بل تستخدم المملكة كنقطة إنتاج أو توزيع إقليمية. عندها يصبح حجم السوق الأردني أقل أهمية، لأن قيمة الاستثمار لا تعود مرتبطة بعدد المستهلكين داخل المملكة وحدهم.
وهذا التفكير ينطبق بصورة خاصة على قطاعات يمكن للأردن أن يبني فيها ميزة تنافسية خلال السنوات المقبلة. فالصين لم تعد فقط دولة تنتج السلع الرخيصة التي غزت الأسواق العالمية، بل أصبحت قوة متقدمة في السيارات الكهربائية والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم واللوجستيات والتكنولوجيا المالية والمدن الذكية. وهذه كلها قطاعات تتقاطع مع احتياجات الأردن في مرحلة يسعى فيها إلى تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي ورفع إنتاجية الاقتصاد وخلق وظائف أكثر ارتباطاً بالمهارات والتكنولوجيا.
لكن الاستفادة من الصين لا ينبغي أن تعني استيراد التكنولوجيا كما نستورد السلع. هذه نقطة مهمة إذا كان الأردن يريد أن تكون علاقته ببكين ذات أثر طويل الأمد. المطلوب ليس فقط أن تأتي الشركات الصينية بالمعدات والتقنيات، وإنما أن تترافق الاستثمارات مع تدريب الأردنيين ونقل المعرفة وبناء القدرات المحلية وربط الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب بسوق العمل الجديد. فالقيمة الحقيقية لأي استثمار أجنبي لا تقاس فقط بحجم رأس المال الذي يدخل البلد، وإنما بما يتركه وراءه من معرفة وخبرات وشركات وسلاسل توريد وفرص عمل.
وفي هذا السياق، يمكن للصين أن تكون شريكاً مهماً للأردن، لكن الشراكة تحتاج إلى تعريف أكثر دقة من مجرد تبادل الزيارات. فالأردن ليس بحاجة إلى المزيد من العلاقات التي تبدو جيدة في البيانات الرسمية، بل إلى علاقات تنتج نتائج يمكن قياسها. كم مصنعاً جديداً؟ كم وظيفة؟ كم دولارا من الاستثمار؟ كم منتجا أردنيا دخل السوق الصينية؟ كم شركة أردنية أصبحت جزءا من سلسلة توريد صينية؟ وكم من التكنولوجيا والمعرفة بقي في الأردن بعد انتهاء المشروع؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة العلاقة في السنوات المقبلة.
وقد يكون من المفيد أيضاً النظر إلى العلاقة من زاوية السوق الصينية نفسها. فالأردن ظل طويلاً يتحدث عن جذب الاستثمارات الصينية، لكنه يحتاج في المقابل إلى إستراتيجية أكثر وضوحاً لزيادة صادراته إلى الصين. هناك قطاعات ومنتجات يمكن تطويرها، لكن الوصول إلى السوق الصينية يحتاج إلى قدرة إنتاجية وتسويقية ومعايير ومواصفات وشبكات توزيع، وليس فقط إلى رغبة سياسية في زيادة الصادرات. ولذلك فإن الصين يمكن أن تكون في الوقت نفسه مصدر الاستثمار والتكنولوجيا والسوق، إذا استطاع الأردن أن يعيد بناء العلاقة على أساس التكامل لا على أساس التجارة التقليدية.
ولا ينبغي في كل ذلك أن يغيب العامل السياسي. فالصين تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة ذات أهمية إستراتيجية متزايدة، ليس فقط بسبب الطاقة، وإنما بسبب موقعها في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والأسواق المستقبلية. والأردن، رغم محدودية حجمه الاقتصادي، يمتلك قيمة سياسية وجغرافية خاصة في المنطقة، ويمكنه أن يستفيد من هذه المكانة من دون أن يحول علاقته مع الصين إلى رسالة موجهة ضد أي طرف آخر. فالأردن لا يحتاج إلى استخدام الصين كورقة في علاقته مع الولايات المتحدة، ولا إلى استخدام علاقته بواشنطن كورقة تفاوض مع بكين. هذه ليست لعبة صفرية، ومصلحة المملكة أن تبقي أبوابها مفتوحة مع الجميع.
ربما لهذا تبدو زيارة الملك إلى الصين مهمة في توقيتها أكثر مما هي في عنوانها. فالعالم الذي يتشكل أمامنا لا يسمح للأردن بأن يكتفي بعلاقاته التقليدية، كما لا يسمح له بأن يغامر بالتخلي عنها. المطلوب هو شيء أكثر تعقيداً: أن يوسع شبكة مصالحه، وأن يستفيد من التنافس الدولي بدلاً من أن يصبح ضحية له، وأن يحافظ على علاقاته مع الغرب والخليج والصين وغيرها، لكن على أساس أن تكون كل علاقة منها إضافة إلى الاقتصاد الأردني وقدرته على الحركة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال بعد زيارة الملك إلى بكين: هل اقترب الأردن من الصين أم ابتعد عن الغرب؟ فهذا سؤال ينتمي إلى عالم قديم. السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل استطاع الأردن أن يجعل الصين جزءاً من مشروعه الاقتصادي، لا مجرد شريك تجاري أو سياسي؟ وهل يستطيع أن يحول علاقته ببكين من استيراد المنتجات إلى جذب الاستثمار، ومن جذب الاستثمار إلى نقل التكنولوجيا، ومن نقل التكنولوجيا إلى بناء قدرات أردنية، ومن كل ذلك إلى إنتاج وتصدير؟
إذا نجح في ذلك، فإن زيارة الملك لن تكون مجرد محطة في العلاقات الأردنية-الصينية، بل بداية لمرحلة مختلفة منها. وإذا لم ينجح، فستظل الزيارة مهمة سياسياً، لكنها لن تحقق كل ما يمكن أن تحققه العلاقة مع قوة بحجم الصين. وفي الحالتين، فإن ما بعد الزيارة أهم من الزيارة نفسها؛ لأن الأبواب التي تفتحها السياسة لا تصبح فرصاً اقتصادية إلا عندما يعرف أحد كيف يدخل منها.
الأردن لا يحتاج إلى أن يختار بين الشرق والغرب. يحتاج إلى أن يعرف ماذا يريد من الشرق، وماذا يريد من الغرب، وماذا يريد من نفسه قبل كل شيء. وعندما يكون الأردن هو نقطة البداية، تصبح الصين فرصة حقيقية، لا اتجاهاً سياسياً، وتصبح العلاقات الدولية أدوات لبناء الاقتصاد، لا مجرد عناوين في السياسة الخارجية.