فراس النعسان : اختبار بورغنشتوك
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
لم تمضِ سوى أيام قليلة على توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حتى بدأ الامتحان الحقيقي له. فالاتفاقات السياسية لا تُختبر على طاولات التوقيع ولا في الصور التذكارية، بل في قدرتها على الصمود أمام الأطراف التي ترى في نجاحها تهديداً لمصالحها وحساباتها. واليوم، ومع انطلاق المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران في منتجع بورغنشتوك السويسري، تبدو إسرائيل وكأنها الطرف الأكثر قلقاً من المسار الجديد الذي بدأ يتشكل في المنطقة. فكل ما يجري يشير إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى بناء إطار أوسع لضبط التوتر ومنع توسع الصراعات وإبعاد المنطقة عن سيناريو الحرب الشاملة التي دفعت أثمانها جميع الأطراف خلال السنوات الماضية. ومن الطبيعي أن يتضمن أي اتفاق من هذا النوع مجموعة من الالتزامات المتبادلة المرتبطة بخفض التصعيد ومنع انتقال المواجهات بين الساحات المختلفة والحفاظ على استقرار الجبهات القائمة. كما أن تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره، وخصوصاً على الجبهة اللبنانية، يشكل ركناً أساسياً في أي ترتيبات أمنية أو سياسية يجري العمل عليها بين الجانبين. غير أن المشكلة التي تواجه هذا المسار لا تبدو مرتبطة بواشنطن أو طهران بقدر ما ترتبط بإسرائيل. فمنذ اللحظة الأولى لظهور مؤشرات الانفراج بين الطرفين، بدأت تل أبيب تتعامل مع التطورات الجارية باعتبارها تهديداً استراتيجياً لها. فإسرائيل اعتادت على بيئة إقليمية تقوم على التوتر الدائم، بينما يفتح الاتفاق الجديد الباب أمام معادلات مختلفة قد تقلص هامش الحركة الذي تمتعت به خلال السنوات الماضية. وفي قلب هذه المعادلة يقف بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على مواجهة إيران وتحويل الصراع معها إلى محور رئيسي في الحياة السياسية الإسرائيلية، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف. فنجاح الاتفاق الأميركي الإيراني لا يعني فقط خفض مستوى التوتر في المنطقة، بل يعني أيضاً تراجع فاعلية الخطاب الذي استخدمه نتنياهو لسنوات طويلة في حشد التأييد الداخلي والخارجي. ولهذا لا يمكن النظر إلى أي تحرك إسرائيلي تصعيدي باعتباره حدثاً منفصلاً عن السياق السياسي القائم. فكل خطوة تؤدي إلى توسيع دائرة الاشتباك أو تهدد استقرار الجبهات المفتوحة من شأنها أن تضع الاتفاق الجديد أمام تحديات مبكرة، وأن تعرقل الأهداف التي يسعى إليها الطرفان من خلال المفاوضات الجارية. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك الإرادة والقدرة على حماية الاتفاق من محاولات إفشاله. فالتاريخ مليء باتفاقات سقطت لأن أطرافاً أخرى رفضت الاعتراف بالواقع الجديد الذي أوجدته. ومن هنا تبدو المهمة الأميركية أكثر تعقيداً من مجرد إدارة الحوار مع إيران. فنجاح الاتفاق يتطلب أيضاً إدارة تداعياته الإقليمية، وفي مقدمتها التعامل مع حكومة إسرائيلية لا تخفي اعتراضها على أي مسار يمكن أن يقود إلى تهدئة طويلة الأمد في المنطقة. فالخطر الحقيقي على الاتفاق قد لا يأتي من الطرف الذي وقع عليه، بل من الطرف الذي يشعر أن نجاحه سيغير قواعد اللعبة التي اعتاد العمل وفقها.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



